حين قرأت أمس عن الأمر السامي لجلالة الملك لتشكيل لجنة توثيق ملحمة الصمود شكرت الله ألف مرة أولاً، ثم دعوت بطول العمر لجلالته، وجعله ذخراً لهذا الوطن.
إذ تذكرت أنني طالبت في عام 2011 بتوثيق الأحداث، وجعلها في متناول الجميع بحرينيين وغير بحرينيين وإقامة صرح يخلد ملحمة صمود البحرين في ذلك العام، ورجعت إلى كتابي «كلمة أخيرة» الجزء الأول الذي جمعت فيه المقالات التي كتبتها في هذا العام فوجدت المقال موجوداً بتاريخ 10 أبريل 2011، إذ كتبت حينها مقالاً عنوانه «حتى لا ننسى» وذلك بعد إعلان «السلامة الوطنية» وفض الدوار.
جاءت فيه العديد من الأفكار التي بإمكانها أن تخلد تلك الملحمة التي التف فيها شعب البحرين حول الحكم، وتصدى لمحاولة إيران من خلال تيار الولي الفقيه أن يختطف هذا البلد، ولكن ستر الله أولاً؛ ومن ثم التفاف الشعب البحريني حول قيادته قطع الطريق على ذلك المخطط.
والجدير بالذكر أن عناوين ذلك اليوم، والذي يليه كانت كالتالي «العلمائي قدم الولاء لطهران وحزب الله لإنشاء دولة داخل دولة» «حكمة القيادة دحرت مخطط إقامة ولاية الفقيه بالبحرين» «فعاليات شيعية ولاية الفقيه سر معاناتنا وأتباعها دخلاء علينا» «علماء يفرضون ولاية الفقيه للاستيلاء على الطائفة» هذه العناوين الرئيسية لأعداد 10 و 11 أبريل 2011.
تكرارها اليوم لأننا لم نعالج هذه المشكلة من جذورها قبل خمسة عشر عاماً، تكرارها لأننا اعتقدنا أنه ممكن بالتسامح، وعفا الله عما سلف أن نجعل عملاء إيران يراجعون أنفسهم، ويعودون للحق، تكرارها لأننا أرخينا قبضة الأمن الوطني، بل ومنحنا مَن طعننا فرصاً ألماسية، وليست ذهبية وفرشنا لهم الأرض الوطنية كي يدوسوا عليها.
هذه المرة عالجت البحرين هذا الورم الخبيث باجتثاث السبب، الرؤوس لا الذيول، وقطعت تمويله وصلاته، وهو الأمر الذي طالبنا به في 2011، والحمد لله أن الظروف كلها معنا اليوم، الدولية والإقليمية، حتى نتمكن من المعالجة الجذرية، فهذا الطريق وحده الذي نستطيع أن نقاوم به المشروع الإيراني الذي لم يثبت أن إيران تخلت عنه.
لذلك فإن الأمر السامي له دلالته هذه المرة، فإن كنا لم ننفذ تلك المبادرة، ولم نوثق الأحداث المؤلمة، ونثبتها للأجيال فذلك لأن هناك من قال إن التوثيق هو «تأزيم» ومن يدعو له من الحرس القديم، وأن للحرس الجديد نظرة في إمكانية احتواء «ولاة الفقيه» (ونحن هنا وكنا كذلك لا نتحدث عن الشيعة الوطنيين بل عن من يتبع ولاية الفقيه) اعتقد البعض أن هؤلاء يمكن احتواؤهم وإعادتهم للحضن الوطني، حتى جاء يوم 28 فبراير من هذا العام لنكتشف أن الذكرى تنفع المؤمنين، وأن عنوان حتى لا ننسى ليس الهدف منه تأليب الأوجاع والآلام والفتنة وكسر وحدة الصف، بل حتى لا ننسى عنواناً للعظة والتعلم وعدم تكرار الأخطاء وتكريم لكل الشعب البحريني الذي التف حول جلالة الملك حينها والتف من جديد حوله بقناعة وإيمان وثبات.
لابد أن يكون حدث كهذا ثابتاً وراسخاً في ذاكرتنا نتعلم منه، ونستقي الدروس والعبر، ويوثق كل موقف وكل شاردة وواردة، وكل قول لتعرف البحرين ويعرف كل زائر وكل مقيم، وكل من سيأتي لاحقاً ما الذي جرى عندنا.
لن نترك الآخرين يروون قصتنا بلسانهم فإن كنا أحياء، ورأينا حجم الكذب علينا والافتراءات على الرواية فما بالك، حين تغيب الشخوص فأي تاريخ سيقال للأجيال اللاحقة؟...... أتمنى أن يكون هناك متحف تاريخي يجمع كل ما جرى ويرويه صوتاً وصورة ..إلخ. المقال موجود على أرشيف الوطن بتاريخ 10 أبريل 2011 وموجود في كتاب «كلمة أخيرة» صفحة 249.
لذا فإننا نرجو من اللجنة الكريمة التي أُسست لتنفيذ هذا الأمر السامي أن تضع في اعتبارها مشكورة لا نريد توثيقاً يجمع المادة والمحتوى، ثم يقبع على الأرفف، بل نريده توثيقاً لتلك المادة يعرض من خلال جميع الاستخدامات الذكية الحديثة، وفي أكثر من منصة سواء في متحف حديث يكون مزاراً للأطفال والكبار، يدخله الزائر ويسير في أروقته وقاعاته، ويرى فعل إيران وتيار ولاية الفقيه وأثره على الشباب والمجتمع والاقتصاد والسلم والأمان، نريد توثيق صوت وصورة ومؤثرات، نريد أن يخرج الزائر من الصرح، فيقول الحمد لله على نعمة البحرين وقياداتها، ويكفيك أن تنقل ما حدث بالضبط لتصل إلى هذه النتيجة.
لا نريد أن نجمع المادة، ثم نضعها في كتب، ويكون مكانها الأرفف والمكتبات وللباحثين، وتنساه أجيالنا القادمة فلا تتعظ ولا تأخذ العبرة، ولا تتعلم ولا تستفيد، نريد تحويله إلى محتوى يسهل تداوله في التطبيقات الحديثة، وفي مناهجنا التعليمية بشكل يتناسب مع عقلية هذا الجيل.
جلالة الملك شكراً؛ لأن قلبك معنا ينبض كما تنبض قلوبنا شكراً لتقديرك ملحمة الصمود البحرينية التي تستحق أن تخلد لأجيال وأجيال يتعلم منها الجميع بدءاً من العائلة الكريمة عائلة آل خليفة، ويتعلم منها الشعب البحريني بكل طوائفه، ويتعلم منها مواطنو دول الجوار والعرب والأجانب، ليعرف الجميع ما مرت به البحرين، فلا نضطر أن نعيد سرد أساس المشكلة كل عشر سنوات!!.