«الردع هو تخليق قناعة لدى الخصم بأن العقاب سيكون أكبر من حتمية الهزيمة».
يستوجب تناول مفهوم «الردع» تعريفه أولاً، والمتمثل في مغادرة مربع عقيدة الدفاع المحض، أو الركون إلى مظلات تحالفية تقليدية، عبر تبنّي نموذج أكثر استقلالية ومرونة، قوامه تطوير القدرات الوطنية (خليجيًا) القابلة للتشغيل البيني Interoperability ورفع الجاهزية القتالية، وتعزيز الترابط بين الأفرع (بدءاً بالوحدات العاملة)، وذلك بهدف إيصال رسائل استراتيجية محسوبة التأثير تجاه الفواعل الإقليمية والدولية. فالدولة (والكتلة هنا) لا تكتفي بإدارة التهديد، بل بتشكيل بيئة التهديد ذاتها عبر توظيف دبلوماسية غليظة، والتحكم في مستويات التصعيد، وإحكام التوازن بين الردع الدفاعي والردع بالعقاب.
إن الإقليم، أي غرب آسيا (شبه الجزيرة العربية وحوض الرافدين)، يشهد طوراً متقدماً من إعادة التشكل جيوسياسياً، وخصوصاً من منظور توازنات القوة، وليس فقط من منظور المقاربات الأمنية والدفاعية، أي الانتقال من هندسة دفاعية ذات طابع تفاعلي إلى ردع متعدد الطبقات والمستويات (multidomain)، يرتكز على تطوير الكتلة الصلبة للقدرة العسكرية، ورفع الكفاءة العملياتية، وإعادة موضعة أدوات القوة ضمن بنية أكثر تكاملاً بين كافة أفرع القوات العاملة. حيث لم يعد مفهوم الأمن، في هذا السياق، مقتصراً على امتصاص التهديد أو احتواء نتائجه، بل أصبح مرتبطاً بإنتاج قدرة ردعية قادرة على إقناع الخصم بعبثية نواياه، ورفع كلفة الفعل العدائي، وفرض معادلة منع وحرمان تسبق لحظة الاشتباك ذاتها.
وفي هذا الإطار، يكتسب الإعلان السعودي عن إنشاء القوة الجوية والفضائية الملكية السعودية قيمة استراتيجية تتجاوز حدود إعادة الهيكلة المؤسسية أو إعادة التوصيف التنظيمي، لأنه يعكس انتقالاً في بنية التفكير العسكري من الفصل التقليدي بين المجالات إلى منطق الدمج العملياتي العابر للحيز. فالجمع بين المجال الجوي والفضائي ضمن إطار قيادي موحد، مقروناً بالإعلان وللمرة الأولى، عن تفعيل القوة الصاروخية الاستراتيجية ضمن منظومة قيادة متصلة بسلاح الجو الملكي السعودي. وذلك يكشف عن اتجاه واضح نحو تطوير بنية ردع مركبة، قادرة على التكامل والتداخل الشبكي تشمل الاستطلاع، والإنذار، والسيطرة، والاستهداف بعيد المدى، والاستجابة متعددة المستويات. وبهذا المعنى، فإن المملكة لا تعيد تنظيم أدواتها الدفاعية فحسب، بل تعيد تعريف هندسة الردع نفسها بوصفها وظيفة تكاملية بين القطاعات، والمجالات، وسرعة القرار، واتساع نطاق التأثير (ومثل ذلك قائم خليجياً).
ومن هنا، تبرز الشراكات الدفاعية الدولية بوصفها مضاعفاً نوعياً للقدرة، لا مجرد خيار تسليحي. فالتعاون مع كوريا الجنوبية يكتسب وزناً خاصاً في ضوء ما تمتلكه سيؤول من خبرة متقدمة في أنظمة الدفاع الجوي، والتقنيات الصاروخية، والمنصات الذكية، والتصنيع الدفاعي المرتبط بنقل المعرفة وتوطين التقنية. وفي السياق ذاته، يمثل التعاون الإماراتي الكوري الجنوبي أحد النماذج المتقدمة في تطوير الشراكات الدفاعية الخليجية مع القوى الصناعية الصاعدة، لما ينطوي عليه من تكامل في مجالات التكنولوجيا العسكرية، والصناعات الدفاعية، وأنظمة الاعتراض الجوي، وتوسيع قاعدة الاكتفاء العملياتي عبر الشراكة التقنية. وتنبع أهمية هذا المسار من كونه يعكس تحولاً خليجياً من منطق الاستيراد التقليدي إلى منطق التطوير المشترك، والولوج التدريجي إلى سلاسل القيمة ذات المردود الاستراتيجي طويل المدى.
وبالتوازي مع ذلك، تكتسب الخبرة الأوكرانية أهمية عملياتية متصاعدة، لا سيما في ميادين الطائرات المسيّرة، والحرب الإلكترونية، ومفاهيم القتال المرن، وإدارة الاشتباك في البيئات المشبعة بالتشويش الإلكتروني والاستنزاف التقني. فالحرب الحديثة، ولا سيما الهجينة، أظهرت أن الهيمنة لم تعد حكراً على الأسلحة التقليدية وحدها، أو بالاعتماد على فائض القوة، بل باتت نتاجًا لقدرة معقدة على الدمج بين المجسات، والذخائر الذكية، والمنظومات غير المأهولة، وأدوات الإرباك الكهرومغناطيسي. ومن هذه الزاوية، فإن الاستفادة من الخبرات الأوكرانية لا تتصل فقط بالوسائط، بل بالعقيدة التشغيلية المرتبطة بها. أما التعاون مع الحلفاء الآخرين، فإنه يفتح مجالاً أوسع في توطين قدرات تطوير منظومات الدفاع الجوي متعددة الطبقات، وأنظمة مكافحة المسيّرات، وقدرات الحرب الإلكترونية، والبنية الشبكية للقيادة والسيطرة، فضلاً عن الانخراط في المسارات التقنية المتصلة بمقاتلات الجيلين الخامس والسادس، وتطوير حمولاتها التسليحية الجوية والبحرية بما يعزز التفوق متعدد المجالات (مثل الشركة السعودية للصناعات العسكرية SAMI، ومجموعة إيدج الإماراتية EDGE Group).
ولا يقتصر هذا التحول البنيوي على المجالين الجوي والفضائي، بل يمتد إلى الحيز البحري بوصفه أحد أكثر مكونات الردع حساسية في البيئة الخليجية. فمضيق هرمز ليس مجرد معبر ملاحي، بل نقطة اختناق جيو-اقتصادية تتحكم في جزء حرج من تدفقات الطاقة والتجارة، بما يجعل أمنه جزءاً من بنية الاستقرار والأمن الاقتصادي الإقليمي والدولي. ومن ثم، فإن ما أُعلن بشأن عدم معارضة سلطنة عُمان لوجود قوة مهمة دولية في المضيق يكشف عن إدراك متقدم بأن أمن الممرات الاستراتيجية لم يعد قابلاً للإدارة وفق ترتيبات أحادية أو تفاهمات محدودة النطاق. وفي هذا السياق، يبرز دور قوة الواجب المختلطة (CTF-152) المتمركزة في مملكة البحرين بوصفها أداة عملياتية لتأمين مياه الخليج العربي، وحماية خطوط الملاحة، وتعزيز الوعي البحري المشترك، واحتواء المخاطر التي تستهدف البنى الاستراتيجية.
خلاصة ما تقدم، هو أن دول الخليج تتجه إلى إعادة صياغة معادلة الردع وفق هندسة استراتيجية جديدة، تتأسس على التكامل بين القدرات الجوية والفضائية والصاروخية والبحرية، وعلى تطوير الشراكات الدفاعية النوعية مع شركاء تقليديين وغير تقليديين. وهذه ليست مجرد عملية تحديث في الوسائط أو المنصات، بل تحوّل في العقيدة الاستراتيجية ذاتها؛ أي من منطق الدفاع عن المجال إلى منطق تشكيل المجال، ومن الاكتفاء برد الفعل إلى امتلاك القدرة على فرض الردع، وضبط إيقاع التصعيد، وصناعة التوازن من موقع المبادرة عند التحقق من موثوقية التهديد ومصدره، لا انتظاره.