في السابع والعشرين من يونيو، عادت إيران لتمارس عادتها القبيحة في الغدر ونقض العهود، حيث تعرضت مملكة البحرين ودولة الكويت لهجوم غادر ومكثف بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة.
هذا التصعيد السافر لم يأتِ من فراغ، بل جاء كطعنة في الظهر مباشرة بعد اتفاقات وتواقيع رسمية من أعلى هرم النظام الإيراني، نظام لطالما ردد ادعاءات المظلومية ورفع شعارات السلام الزائفة، ليثبت للعالم أجمع أن لغة الدبلوماسية لديه ليست سوى غطاء تكتيكي لتمرير مشاريعه التخريبية.
ولطالما حاولت أصوات إيرانية كثيرة، ومعها طابور من المحللين السياسيين، الترويج لصدق نوايا طهران منذ البداية، مدعية أنها لا تضمر شراً لإخوانها في المنطقة، وأن دول الخليج لم تكن يوماً في مرمى نيرانها. لكن الذاكرة الخليجية لا تنسى والواقع يكذب هذه الأبواق، فالبنية التحتية لكل دول الخليج تعرضت مراراً لهجمات إيرانية مباشرة وموثقة.
ولم تكتفِ طهران بذلك، بل سعت لخنق المنطقة إنسانياً واقتصادياً حين حاولت إقفال مضيق هرمز، مانعة حتى دخول المستلزمات الأساسية من السلع الغذائية والاستهلاكية عن أهل الخليج، في جريمة ابتزاز لا يمكن تبريرها بأي منطق أخلاقي أو سياسي.
والمفارقة المكشوفة أن طهران لم ترفع راية السلام وتعلن حسن نواياها إلا بعد أن وجدت نفسها تحت شدة الضرب والمواجهة الحازمة التي كادت أن تعصف بكيانها. وحينما أُجبرت على التسليم والتراجع، عادت لتمارس خبثها المعتاد، محاولة الالتفاف على انكسارها عبر فرض نفسها كوصي أوحد على مضيق هرمز ومتحكمة في مساراته، متجاهلة حقيقة تاريخية وقانونية راسخة، وهي أن هذا المضيق ممر مائي دولي طبيعي لا يتبع لأي دولة ولا يقع تحت سيطرة أحد. لقد اعتقدت طهران أن دول المنطقة ستنطلي عليها حيلة الإدارة المشتركة، بينما كانت في الخفاء تجهز مسيراتها وصواريخها لضرب الاستقرار من جديد.
ولقد أثبتت الأيام أن الدبلوماسية الخليجية تحلت بأقصى درجات الحكمة، وأعطت طهران الفرصة تلو الأخرى لتعود عن أفعالها الخبيثة في حق أهل المنطقة، وتفتح صفحة جديدة لعلاقات تقوم على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في شؤون الآخرين. لكن العقلية الإيرانية المأزومة فسرت هذه الفرص، التي قدمتها دول الخليج بحسن نية وتغليب للمصلحة العامة، على أنها ضعف وخنوع. هذا الكيان كان ولا يزال يخدع نفسه ويحاول خداع الجميع بارتداء ثوب الحمل الوديع، بينما هو في أصله كيان ماكر يضع نشر الفوضى والدمار في المنطقة كهدف أساسي ووحيد لاستمراره.
وقد يبدو السابع والعشرون من يونيو يوماً عادياً في روزنامة العالم، ولكنه في واقع منطقتنا يمثل النهاية القاطعة لعصر الدبلوماسية مع هذا الكيان. لقد سقطت مع هذا العدوان المشترك على البحرين والكويت كل نظريات حسن الجوار، ليثبت بالدليل القاطع أن الوثائق والاتفاقيات مع طهران لا تساوي قيمة الحبر الذي كُتبت به. إن هذا التاريخ لم يعد مجرد رقم يمر مرور الكرام، بل هو صفحة جديدة تُفتح في روزنامة العمل المشترك بين دول المنطقة لمجابهة هذا المعتدي، فاستهداف أي عاصمة خليجية هو استهداف للجسد الخليجي بأسره. لقد انتهى وقت المجاملات، وبات لزاماً تبني استراتيجية ردع حازمة تقطع دابر الغدر وتنهي مسرحية المظلومية الإيرانية إلى الأبد.