الرئاسة الإيرانية تتحدث بلغة الدبلوماسية والتهدئة، عطفاً على المفاوضات الدائرة مع الولايات المتحدة، بينما يتحدث الحرس الثوري في الوقت نفسه بلغة الصواريخ والطائرات المسيّرة وتهديد الملاحة الدولية. بالتالي السؤال هنا لن يرتبط إطلاقاً بشأن المفاوضات نفسها، بل بمن يمثل الدولة الإيرانية ويعبّر عن إرادتها السياسية؟! وعليه، من يملك القرار الحقيقي؟!
ما يحصل في مضيق هرمز تجاوز كل الأعراف الدولية، وبتنا نرى حالة «اختطاف» صريح لأحد أهم الممرات البحرية في العالم.
الاعتداءات التي طالت ناقلات النفط والسفن التجارية، وما تبعها من اضطرار عدد من السفن إلى البحث عن مسارات أكثر أماناً، تؤكد على استمرار هذه الأزمة التي تمسّ أمن الطاقة العالمي وسلامة التجارة الدولية، بل تثبت تصاعدها إلى درجة مخيفة. أصبحنا نرى بوضوح ممارسات بأسلوب القراصنة وقُطّاع الطرق.
مضيق هرمز واضح أنه أصبح الورقة الأخيرة التي يحاول النظام الإيراني أو الحرس الثوري استخدامها للضغط على المجتمع الدولي، بهدف الوصول لصيغة تخدم إيران بشكل أكبر، رغم أن المجتمع الدولي أكد مرات ومرات أن استمرار هذا النهج مرفوض، وأن حرية الملاحة ليست للمساومة أو الابتزاز.
حالة «انفصام» مجنونة؛ نظام يُعلِن التفاوض، وحرس ثوري يُصعّد ويضرب ويمارس البلطجة. وعليه الجميع بات يسأل ويبحث عن جواب صريح. إذ من يتحكم في الحرس الثوري؟! وهل يخضع فعلاً للقرار السياسي الإيراني، أم أنه يمتلك هامشاً مستقلاً يسمح له باتخاذ قرارات نراها بجلاء وهي تقود المنطقة إلى تعقيدات أكبر؟!
إن كانت الرئاسة الإيرانية تؤكد أن مفاوضاتها مع الولايات المتحدة تتمّ بعلم المرشد الأعلى وموافقته، فإن عليها اليوم مسؤولية سياسية تتمثل في توضيح العلاقة بين مؤسسات الدولة والحرس الثوري. من يُصدر أوامر التصعيد؟! ومن يتحمّل المسؤولية السياسية والعسكرية عن عمليات القصف بالصواريخ والمسيّرات؟! ومن أصلاً يعطي الضوء الأخضر لاعتراض السفن وضربها؟! هل ينفّذ سياسة الدولة؟! أم يفرض سياساته على الدولة؟! وهل يخضع لسلطة القيادة السياسية، أم أصبحت القيادة السياسية هي التي تتكيّف مع قرارات الحرس الثوري؟!
إذا كانت الدولة الإيرانية عاجزة بالفعل عن ضبط الحرس الثوري أو توجيه قراراته، فهذا يعني وجود أزمة سلطة حقيقية داخل إيران. وإذا كانت الدولة نفسها رهينة لقرارات الحرس الثوري، فعليها أن تعترف بذلك بوضوح، لأن استمرار الوضع الحالي لم يعد مقبولاً. ولا يمكن أن يبقى أمن المنطقة رهينة لجهة عسكرية إرهابية تتصرف خارج أي مساءلة واضحة، ولا أن تتحول الممرات البحرية الدولية إلى أدوات ابتزاز سياسي أو عسكري.إن كان الحرس الثوري يتحرك بتكليف من الدولة، فإن الرئاسة الإيرانية تتحمّل كامل المسؤولية عن كل ما يصدر عنه. أما إذا كان يتحرك خارج إرادتها، فإننا نكون أمام تنظيم مسلّح خرج عن السيطرة، ولا يمكن للمجتمع الدولي أن يتعامل معه باعتباره جزءاً من مؤسسات الدولة.
في كلتا الحالتين، لا يمكن أن يظل أمن المنطقة والملاحة الدولية رهينة لهذا الوضع. القانون الدولي يوجب حماية الممرات البحرية ومحاسبة كل من يهددها، ولا يمكن القبول بأن يختطف الحرس الثوري القرار الإيراني، أو أن يفرض على المنطقة والعالم سياسة تقوم على التهديد والابتزاز.
على طهران أن تحسم هذا التناقض، لأن التفاوض لا يستقيم مع استمرار الإرهاب، ولأن العالم ومن ضمنه دولنا المتأثرة والمتضررة بما يحصل لن تقبل باستمرار هذه الفوضى. هنا علينا أن نعرف مع من نتعامل بالضبط، وهل إيران التي تجلس على طاولة التفاوض، هي نفسها إيران التي يُصعّد حرسها الجمهوري عسكرياً ويمارس الإرهاب الصريح على دولنا والمضيق والمنطقة؟!
انفصام الشخصية الإيراني هذا لابد له من حسم وحد فاصل.