ليس أبلغ أثراً في نفس الباحث من أن يرى ثمرة جهده موضع نظرٍ كريم، وأن يجد في طريق العلم من يقدّر الفكرة لذاتها، والعمل لقيمته، لا لصاحبه وحده، ولا للمناسبة التي أحاطت به. فالبحث العلمي، إذا صدق فيه القصد، لم يكن أوراقاً تُسطّر ثم تُطوى، ولا شهادة تُعلّق ثم تُنسى، بل هو سهمٌ في بناء الوعي، ولبنةٌ في صرح الوطن، ونداءٌ هادئ ينتظر من يسمعه حقّ السماع.

ومن هذا المعنى أعتز بلقائي بسعادة السيد حسين أحمد آل شعيل، وكيل شؤون الطيران المدني بوزارة المواصلات والاتصالات؛ لا لأنه كان لقاء تقدير فحسب، بل لأنه كان أعمق من ذلك دلالةً وأبعد أثراً. فقد شعرت أن البحث الجاد، متى اتصل بحاجة الوطن وقطاعاته الحيوية، وجد في مؤسساته من يلتفت إليه، وفي رجاله من ينظر إليه نظر المسؤولية لا نظر المجاملة.

لقد تفضّل سعادته باستقبالي بمناسبة حصولي على درجة الماجستير في القانون التجاري من جامعة العلوم التطبيقية، هذه الجامعة التي أعتز بالانتساب إليها، وتسلّم نسخة من رسالتي العلمية المعنونة: «الآثار القانونية المترتبة على عقد النقل الجوي للركاب». وهي رسالة اخترت لها مجالاً قد لا يتصل اتصالاً مباشراً بطبيعة عملي الحالي، ولكنه اتصل باهتمامي العلمي والقانوني اتصالاً وثيقاً. فقد وجدت في قانون النقل الجوي ميداناً رحباً، تلتقي فيه دقة التشريع بحركة الواقع، ويتصل فيه النص القانوني بحياة الإنسان وحقه في السلامة والتنقل والضمان والإنصاف.

ولعل مما زاد هذا اللقاء وقعاً في نفسي أنه جاء في وقتٍ استثنائي تمر به مملكة البحرين، في في ظل ما أعلنته الجهات الرسمية من اعتداءات إيرانية غاشمة استهدفت أمن المملكة واستقرارها، وما ترتب على ذلك من واجبات وطنية وأمنية وتنظيمية جسيمة اضطلعت بها مختلف الجهات المعنية، وفي مقدمتها القطاعات المتصلة بالطيران المدني وسلامة الحركة الجوية.

وقد ظهرت دقة هذه المسؤولية فيما شهدته حركة الطيران المدني من ترتيبات استثنائية، شملت تحويل جانب من العمليات التشغيلية مؤقتاً من مطار البحرين الدولي إلى مطار الملك فهد الدولي بالدمام وهو إجراء يعكس حجم الجهد المبذول لضمان استمرارية الحركة الجوية، وصون سلامة المسافرين، وإدارة الظرف الطارئ بروح عالية من الكفاءة والمسؤولية والانضباط.

وفي مثل هذه الظروف لا يكون الوقت فائضاً، ولا تكون المواعيد أمراً يسيراً في جدول المسؤولين. ومع ذلك، اقتطع سعادته من ازدحام الواجب وقتاً ليستقبل باحثة، ويطّلع على عمل علمي، ويمنحه من العناية ما يدل على أن التقدير الصادق لا يُعرف في أوقات السعة وحدها، بل يُعرف أكثر ما يُعرف حين تشتد المسؤوليات وتتزاحم الأولويات.

وقد كان لاهتمام سعادته بموضوع الرسالة أثرٌ خاص في نفسي؛ لأن مجال النقل الجوي، وإن كان بعيداً عن طبيعة عملي الحالي، كان قريباً من شغفي القانوني، ومن إيماني بأن القانون لا تكتمل قيمته إلا حين يلامس حياة الناس ومصالحهم وحقوقهم. وجاء تقدير سعادته لهذا الجهد ليؤكد أن البحث العلمي، إذا ارتبط بقطاع وطني حيوي، لا يبقى حبيس الصفحات، بل يصبح قادراً على الإسهام في وعيٍ مؤسسي أوسع، وفي فهمٍ أدق لطبيعة المسؤولية القانونية والتنظيمية.

إن الطيران المدني ليس مجرد طائرات تقلع وتهبط، ولا مطارات تفتح أبوابها للمسافرين، ولا جداول رحلات تضبطها الساعات، بل هو منظومة قانونية واقتصادية وإنسانية دقيقة، تتصل بحقوق الراكب، والتزامات الناقل، وسلامة الرحلة، ومسؤولية المؤسسات، وسمعة الدولة في فضاء دولي لا مكان فيه إلا للكفاءة والانضباط وحسن التدبير. ومن هذا الباب أحببت البحث فيه، لا لأنه قريب من عملي، بل لأنه قريب من جوهر القانون، حين يكون في خدمة الوطن والإنسان والمرفق العام.

وإنني إذ أتقدم بالشكر والتقدير إلى سعادة وكيل شؤون الطيران المدني، فإنما أشكر فيه قبل كل شيء هذا المعنى النبيل: معنى المسؤول الذي يقدّر البحث العلمي، ويشجع الكفاءات الوطنية، وينظر إلى جهد الباحث بوصفه طاقةً يمكن أن تُسهم، وفكرةً يمكن أن تنمو، وعملاً قد يجد طريقه إلى الواقع متى أُحسن القصد وبُذل الاجتهاد.

ختاماً، أجدد امتناني لسعادة السيد حسين أحمد آل شعيل على كريم الاستضافة وحسن التقدير، وأسأل الله أن يحفظ مملكة البحرين حكومةً وشعباً، وأن يوفق القائمين على قطاع الطيران المدني لكل ما فيه رفعة الوطن وأمنه وتقدمه. كما أسأله تعالى أن يظل العلم باباً من أبواب الخدمة، وأن يبقى التقدير الصادق وقوداً لكل باحث يؤمن بأن علمه لا ينفصل عن وطنه، وأن اجتهاده لا يكتمل إلا حين يكون امتداداً لفخره وانتمائه.