عبدالله الجنيد

لقد سبق أن نشرت هذا المقال على موقع مركز The National Interest بتاريخ 13 من نوفمبر 2025، إلا أنني أرى أنه من الضرورة بمكان أن يناقش أمر صيغ تمويل غير تقليدية في جغرافيا مقسمة بين أفريقيا وغرب آسيا بشرط أن يسبق مفهوم إعادة التأهيل مفهومنا الدارج لإعادة الإعمار. وأضع بين يدي القارئ النسخة المُعربة والمُحدثة منه، وأترك للقارئ الحكم أو نقاش الفكرة.

في ظل ما يشهده ما اصطلح على تسميته «الشرق الأوسط» من أزمات ممتدة، وأزمات إنسانية متفاقمة من غزة إلى سوريا ولبنان واليمن والعراق والسودان. يبرز أمر إعادة الإعمار لا بوصفه تحدياً سياسياً ومالياً مركزياً، بل بما يتصل وواقع تلك الجغرافيا السياسية من أسئلة لا يمكن تجاهلها قبل النظر في أمور وتفاصيل التمويلات وآلياتها. وعلى رأس تلك الأولويات تأتي الحوكمة، والإصلاح المؤسسي والرقابة (نماذج إعادة إعمار غزة).

فالمشكلة لا تكمن فقط في حجم الدمار، بل في كيفية تعبئة موارد مالية كافية، وبناء آليات إنفاق موثوقة، وضمان عدم تحول التمويل إلى أداة لإعادة إنتاج هشاشة بنيوية وفساد مؤسسي وتبعية سياسية. ومن هنا تكتسب فكرة استلهام نموذج سندات بريدي Brady Bonds أهمية خاصة، لا باعتبارها وصفة جاهزة، بل إطارًا قابلًا للتكييف مع واقع إقليمي معقد يحتاج إلى حلول مالية مبتكرة ومُقيدة بضوابط سياسية وأخلاقية صارمة.

لقد برزت سندات برادي في ثمانينيات القرن الماضي إبان عُهدة الرئيس ريغان كأداة لمعالجة أزمات الديون السيادية في الأسواق الناشئة (أمريكا اللاتينية تحديداً)، حين جرى تحويل ديون متعثرة إلى أدوات مالية جديدة مدعومة بضمانات موثوقة، بما ساعد دولاً عديدة في أمريكا اللاتينية على استعادة نفاذها إلى أسواق المال الدولية. وتمثلت قوة هذا النموذج في الجمع بين إعادة هيكلة الديون، وتنسيق مصالح الدائنين، وتوفير مظلة مؤسساتية داعمة من جهات دولية مثل وزارة الخزانة الأمريكية وصندوق النقد الدولي. وعلى هذا الأساس، يبدو من الممكن تصور نسخة حديثة من هذا النموذج تُخصص لتمويل إعادة التأهيل في الشرق الأوسط، شريطة أن تُصمم بما يراعي اختلاف السياقات الراهنة، وخاصة ما يتعلق بالنزاعات المسلحة، وضعف الشرعية الداخلية، والهشاشة الاجتماعية والإنسانية.

إن الحاجة إلى مثل هذا الإطار تنبع من تداخل متطلبات إعادة الإعمار في المنطقة. فالدول والمناطق المتضررة لا تحتاج فقط إلى إصلاح البنية التحتية من مياه وكهرباء وإسكان ونقل، بل تحتاج أيضاً إلى إصلاحات أعمق تشمل تنويع الاقتصاد، وتعزيز الإدارة العامة، وخلق مصادر دخل مستدامة، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. ومن ثمّ، فإن أي آلية تمويل فاعلة ينبغي ألا تقتصر على ضخ الأموال، بل يجب أن تشكل مسارًا متكاملًا يربط بين تخفيف أعباء الديون، وتحفيز الاستثمار، وتحسين الحوكمة، وتوجيه الموارد نحو أولويات تنموية وإنسانية محددة.

غير أن نجاح إطار كهذا مشروط بجملة من المبادئ الحاكمة. وأول هذه المبادئ هو أولوية البعد الإنساني، بحيث لا يجوز أن تُستنزف الموارد المخصصة للإغاثة الأساسية لصالح ترتيبات مالية أو سياسية لا تخدم المجتمعات (الدول) المتضررة بشكل مباشر. وثانيها هو ترسيخ الشفافية والرقابة المستقلة ومكافحة الفساد، من خلال تتبع واضح لاستخدام العائدات، وضمان عدم تسربها إلى مجالات غير تنموية أو إلى نفقات عسكرية وأمنية (دون إبخاس بضرورة استتباب الأمن). وثالثها هو تعزيز الشرعية الوطنية، وبحيث تكون المجتمعات المتضررة، ومؤسسات المجتمع المدني، والفاعلون الوطنيون (رأس المال الوطني) شركاء حقيقيين في تحديد الأولويات ومراقبة التنفيذ، لا مجرد متلقين لبرامج تضعها أطراف الخارجية.

وفي هذا السياق، تبدو فكرة إنشاء صندوق إقليمي لإعادة الإعمار، بإدارة مشتركة بين مؤسسات دولية وبنوك تنمية إقليمية وشركاء محليين، آليةً عملية استحثاث التمويل وإصداره وتوجيهه. ويمكن لهذا الصندوق أن يصدر أدوات دين سيادية مستقرة ومضمونة نسبيًا، وأن تخصص عائداته لمشروعات حيوية في قطاعات تنموية كالصحة والتعليم والطاقة والمياه والنقل والإسكان والاتصال الرقمي. كما يمكن أن يؤدي دورًا تنسيقيًا يمنع تشتت المانحين وتكرار المشروعات، ويضمن اتساق الأهداف بين الأطراف المختلفة.

ومع ذلك، تظل العقبات كبيرة، وفي مقدمتها المخاطر الأمنية، وضعف الثقة، وتعقيدات التوازن بين الرقابة الدولية والسيادة الوطنية. لكن هذه التحديات لا تُبطل الحاجة إلى التحرك، بل تؤكد أن برامج إعادة الإعمار دون ارتكازها على مبدأ إعادة التأهيل أولاً، لا يمكن أن تنجح إلا ضمن رؤية طويلة الأجل تجعل من التمويل أداة في التحفيز على استدامة الاستقرار والإصلاح والكرامة الإنسانية، لا مجرد استجابة طارئة لخراب متكرر.