شهدت أسعار الذهب تقلبات حادة في الآونة الأخيرة، بعدما سجلت مستويات قياسية تجاوزت 5595 دولار للأونصة في يناير 2026، قبل أن يتراجع بنحو 26%،وهو ما أثار تساؤلات حول دور الذهب كملاذ آمن، خاصة في ظل تصاعد التوترات في المنطقة والعالم، فهل هذا التراجع هو نهاية عصر الذهب أم مجرد تصحيح مؤقت في مسار صاعد؟

المفارقة الأعجب في التراجع الحالي هي تزامنه مع تصعيد عسكري في الشرق الأوسط، حيث يفترض أن تدفع مثل هذه الأحداث المستثمرين نحو الذهب، لكن هذه المرة كان الأمر مختلفاً فارتفاع تكاليف الطاقة والشحن نتيجة إغلاق مضيق هرمز عزز الحاجة إلى السيولة، ما دفع بعض المستثمرين إلى بيع جزء من حيازاتهم من الذهب لتوفير النقد وإعادة ترتيب محافظهم الاستثمارية، وهو ما شكّل ضغطاً على الأسعار.

ومع ارتفاع توقعات التضخم، تراجع الأمل في خفض أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي، بل وظهرت تكهنات برفعها، وبما أن الذهب أصل لا يدر عائداً، فإن ارتفاع تكلفة الفرصة البديلة يقلل من جاذبيته متجاوزاً في تأثيره عادة الملاذ الآمن في أوقات الأزمات، ومع بروز الدولار الأمريكي كملاذ آمن مفضل خلال الأزمة، أضاف ضغطاً إضافياً على الذهب المقوم بالدولار، لكن الأثر الأعمق كان يتمثل في عمليات التصفية القسرية، إذ دفع الارتفاع الحاد في التقلبات المستثمرين إلى بيع أصولهم الأكثر سيولة، ومن بينها الذهب، كما دفعت موجة جني أرباح من قبل الأفراد والمؤسسات عند وصوله لمستويات قياسية إلى تسريع وتيرة الهبوط.

عانى الذهب أيضاً من تراجع الطلب من قبل صناديق المؤشرات المتداولة (EFTs)، حيث حولت هذه الصناديق من مشترٍ صافٍ إلى بائع، مما ساهم في إضعاف السعر، كما وفي تطور لافت، قامت بعض البنوك المركزية، مثل البنك المركزي التركي، باستخدام جزء من احتياطاتها الذهبية في عمليات بيع ومقايضات لتوفير السيولة ودعم العملة في مواجهة ضغط الأسواق، مما زاد المعروض في السوق.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، هل فقد الذهب مكانته كملاذ آمن والحقيقة أن ما حدث كان اختباراً لقاعدة الملاذ الآمن في ظل ظروف استثنائية، وليس فشلاً جوهرياً، فالعوامل التي أدت إلى التراجع هي عوامل مؤقتة وليست هيكلية، فلا يزال الطلب من البنوك المركزية، خاصة في الأسواق الناشئة، قوياً ومستمراً لأسباب تتعلق بتنويع الاحتياطيات والتحوط من مخاطر العقوبات المالية، فقد أضافت البنوك المركزية نحو 244 طناً في الربع الأول من 2026، وتشير التوقعات إلى استمرار هذا الاتجاه، كما أن مستويات الديون المرتفعة وعدم الاستقرار السياسي العالمي يبقيان الطلب على أصول الملاذ الآمن قائماً في الأساس.

من وجهة نظري، فإن الذهب لم يفقد بريقه ولا اتجاهه الصاعد، وما نشهده حالياً ليس سوى موجة تراجع مؤقتة وتصحيح سعري فرضته ظروف استثنائية.

وأتوقع أن يستعيد الذهب زخمه تدريجياً مع انحسار الضغوط الحالية وعودة السيولة إلى الأسواق، مدعوماً باستمرار مشتريات البنوك المركزية وتراجع أسعار الفائدة عند بدء دورة التيسير النقدي.

وأرجح أن يتحرك الذهب نحو مستويات تتراوح بين 4,600 و4,900 دولار للأونصة بنهاية عام 2026، مع إمكانية تجاوز مستوى 5,200 دولار مع اختلاف السيناريوهات تبعاً لمسار السياسة النقدية والتطورات الجيوسياسية.

كما أنه من المتوقع أن تعود الصناديق والبنوك المركزية إلى الشراء مع استقرار التوقعات، ويعاود الأفراد والمستثمرون الاستثمار في الذهب كتحوط طويل الأجل.

لذلك، لا أرى أن ما يمر به الذهب اليوم يمثل نهاية لدوره التاريخي كملاذ آمن، بل اختباراً استثنائياً فرضته ظروف غير اعتيادية.

فالسيولة التي خرجت من الذهب ستعود إليه مع استقرار الأسواق، والتقلبات الحالية ستتلاشى، أما الأسس التي صنعت مكانته على مدى عقود، من التحوط ضد التضخم، وارتفاع مستويات الدين، واستمرار عدم اليقين الجيوسياسي، فما زالت قائمة.

ولهذا أعتقد أن الذهب لم يقل كلمته الأخيرة بعد، وأن ما نشهده اليوم ليس نهاية الاتجاه الصاعد، بل استراحة مؤقتة تسبق مرحلة جديدة من الصعود.