الفرق كبير بين من يدخل المفاوضات للوصول إلى حل، وبين من يدخلها للحصول على دور البطولة الزائفة أمام الكاميرات ووسائل الإعلام، فمن يرغب في الحلول يعمل بصدق لكي يصل إلى النتائج، بينما من يسوّق نفسه أمام الداخل بأكاذيب ولعب على العواطف ويعمل على رفع شعارات تحمل الوهم ويبحث عن الشهرة والصدارة في عناوين نشرات الأخبار وترند وسائل التواصل الاجتماعي.
هذا هو باختصار واقع السلوك السياسي الإيراني خلال جولات التفاوض، يبدأ الاجتماع، تظهر كاميرات وسائل الإعلام، يرتدي الطرف الإيراني رداء المنتصر، تبدأ حركات المراهقة السياسية، تغلق الكاميرات أنوارها، ويبدأ اللقاء الحقيقي، يعود المفاوض الإيراني إلى حجمه الطبيعي، يقدم التنازلات في الخفاء، لتنتهي الجولة الأولى، ويعود بحلة المنتصر مرة أخرى أمام وسائل الإعلام، وتبدأ الماكينة الإعلامية في الداخل الإيراني في بيع الوهم لأتباعها، وأن الخصوم رفعوا الراية البيضاء، إلى أن تظهر الحقيقة ويتم نشر بعض بنود الاتفاق المبدئي، وتنتشر تفاصيل الواقع، وتتجلى حقيقة المفاوض الإيراني بائع الوهم وراوي الدعايات الخادعة، عندها يبدأ الحرس الثوري في إرسال مسيّراته إلى جيرانه ليغطي الحقيقة ويخفي الهزيمة ويحفظ ماء وجهه لدى أتباعه في الداخل والخارج.
حقيقة ما يجري ليست بالمفاوضات، ومن يعمل على التفاوض ليس سوى ناقل رسالة للداخل الإيراني، هدفه الحفاظ على ما تبقى من ماء الوجه، حتى وإن كان الواقع عكس ما يصف، إلا أنه يحاول المحافظة على استمرارية وجوده مع الفريق كممثلين من الدرجة الثالثة في المسرحية الهزلية التي بدؤوها ولم يعرفوا كيف ينهونها، فعندما قرؤوا فصلها الأول لم يدركوا ما ستحمله مشاهدها الأخيرة، يعملون باستماتة على حصر مواطنيهم في رواية رسمية خادعة، دون أدنى حرية في متابعة وسائل الإعلام التي تقع خارج حدودهم الجغرافية، فمعركتهم الحقيقية ليست على طاولة التفاوض، بل في عمقهم وفي محافظاتهم ومدنهم عبر فبركة إعلامية اعتادوا عليها.
إن مثل هذه التصرفات تكشف حجم القلق الإيراني، فهم في سباق مع الزمن لإقناع الداخل والأتباع بالخارج مع بداية كل يوم بأنهم منتصرون، في محاولة لتزييف الواقع، وإنتاج بطولات إعلامية، وبيع المستحيل والوهم للجماهير.
بعد أكثر من سبعة وأربعين عاماً من الثورة المزعومة اتضح وتبين أنها قائمة على الكذب على شعبها أكثر من قدرتها على البناء والتطوير والنهضة، وسيأتي وقت يفقد فيه شعبها وأتباعها الثقة في النظام وفي روايته الرسمية، عندها لن تنفع آلاف المؤتمرات الصحفية ولا ملايين الشعارات، ولا حتى اللعب على وتر المذهبية والعقيدة.
باختصار، الحقيقة لا تقاس بعلو الصوت، ولا بكثرة الاحتفالات الإعلامية، بل تقاس بصدق الدولة مع شعبها، ورؤيتها المتطورة، وصناعة الفرح لا بالحزن، وبأفعال الرجال لا بانفعال الأطفال.