واصل القضاء البحريني إصدار الأحكام في القضايا المرتبطة بالتخابر مع النظام الإيراني، وإرسال إحداثيات لمواقع داخل المملكة بهدف استهدافها بالصواريخ والمسيرات، إلى جانب قضايا أخرى شملت أشخاصاً قاموا علانية بتمجيد العدو المعتدي وإظهار التعاطف معه على حساب وطنهم.

وللتأكيد فقط فإن هؤلاء لم يصدر عنهم أي موقف مماثل تجاه بلادهم التي تتعرض للعدوان، وهو ما يجعل سلوكهم يمثل سلوك ”الطوابير الخامسة“.

ضع خطا أحمرَ تحت الكلام القادم، إذ ما يقوم به القضاء البحريني هو تطبيق لسيادة القانون في قضايا تمس أمن الدولة، وهي من أخطر القضايا التي يمكن أن تواجه أي دولة، لأنها ترتبط بالولاء الوطني وبحماية المجتمع من أي تعاون مع جهات خارجية معادية.

وركز جيداً هنا، إذ حين يتحول الشخص إلى أداة بيد عدو يستهدف وطنه، فإنه يضع نفسه أمام مسؤولية قانونية وأخلاقية لا يمكن الاستهانة بها.

قلناها سابقاً، من يختار أن يكون طابوراً خامساً ويبيع وطنه، لا ينبغي أن يتوقع في المقابل تساهلاً أو تخفيفاً للعقوبة، لأن الأفعال التي قام بها لا تتعلق إطلاقا باختلاف في الرأي أو انتقادات لحراك مجتمعي أو مؤسسي داخلي عادي، بل بأفعال تمس أمن الدولة بصورة مباشرة.

الهدف من التخابر مع عدو خارجي هو تمكينه من الإضرار بالوطن، وهذه في جميع دول العالم تُعد من أخطر الجرائم. والتهليل لعدو يستهدف البلاد، وترويج روايته على حساب الرواية الوطنية، أو محاولة تهيئة الرأي العام لتقبل تدخله، كلها ممارسات تتجاوز حدود التعبير عن الرأي لتدخل في دائرة خدمة مشروع معادٍ للدولة، وهو ما تنظر إليه التشريعات الوطنية بعين بالغة الجدية.

هنا يجب التمييز بوضوح بين أمرين مختلفين تماماً. فالنقد، وإبداء الرأي، وحتى المعارضة التي تعمل في إطار القانون، وتسعى إلى الإصلاح، تبقى جزءاً من أي مجتمع.

أما التحول إلى أداة تخدم أجندة دولة معادية، أو التعاون معها، أو تبرير اعتداءاتها على الوطن، فذلك مسار مختلف تماما، لأنه ينقل صاحبه من مساحة الاختلاف السياسي إلى مساحة المساس بأمن الدولة، وهي مسألة يحددها القضاء وفقاً للقانون والأدلة المعروضة أمامه.

أثبتت التجارب أن الجهات المعادية لا تنظر إلى هؤلاء إلا باعتبارهم أدوات مؤقتة. تستخدمهم كوقود محرقة ما دامت بحاجة إليهم، ثم تتخلى عنهم عندما تنتهي مصلحتها.

والتاريخ مليء بالأمثلة التي انتهى فيها من راهنوا على الخارج إلى العزلة أو المحاسبة، بينما واصل من كانوا يدفعونهم إلى تنفيذ مصالحهم بعيداً عن أي التزام تجاههم.

ماذا استفاد من اختار هذا الطريق؟! هل وقفت إيران إلى جانبهم؟! هل حملت عنهم تبعات أفعالهم؟! النظام الإيراني دائماً وأبداً يتحرك وفق مصلحته، لا وفق مشاعر أتباعه.

هو يفاوض عندما تقتضي مصالحه التفاوض، ويصعّد عندما يخدمه التصعيد، أما الأفراد الذين انساقوا خلف شعاراته وتحركوا بالداخل ضد دولهم، فهم دائماً يواجهون وحدهم نتائج خياراتهم أمام القضاء في أوطانهم.

الرهان على عدو خارجي، مقابل التفريط بالوطن الذي يوفر الأمن والحقوق والحماية، هو رهان خاسر تماما.

من يبيع وطنه من أجل وعود خارجية، يكتشف في النهاية أنه لم يكن بالنسبة لذلك العدو سوى ورقة مؤقتة تُستخدم ثم تُلقى جانبًا. إن انتصر، فلن يمنحه مكانة توازي ما وعده به، بل سيحوله لخادم سخرة إن لم يتخلص منه أصلا.

وإن خسر، فسوف يتركه يواجه مصيره وحده، وهو ما يحصل لهم اليوم، و“لا درت عنكم إيران“!

كلمة الفصل اليوم للقضاء، الذي ينظر في الوقائع والأدلة ويصدر أحكامه وفق القانون. وبناء عليه سيظل أمن الوطن وسيادته خطًا أحمراً، مهما فعلوا ومهما حاولوا.