لا يصح اختزال محاسبة طهران على ما ارتكبته من جرائم بحق الأفراد والأعيان المدنية في البحرين وعموم دول الخليج العربية ضمن مسار دبلوماسي فقط، لأن ذلك على أهميته، يظل أسير موازين القوى وحسابات التهدئة والتسويات المرحلية وتبدّل الأولويات الدولية.

لذلك علينا اجتراح مسارات ومقاربات موازية تستند لمرجعيات القانون الدولي، وخصوصاً بعد اعتماد مجلس الأمن الدولي، في مارس 2026، القرار رقم 2817، والذي أدان بصورة رسمية الهجمات الإيرانية التي استهدفت دول الخليج والأردن، واعتبرها انتهاكاً صريحاً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.

ومن ثم، فإن هذه الإدانة لا توفر غطاءً سياسياً للموقف الخليجي فحسب، بل تؤسس أيضاً لمرتكز قانوني وأخلاقي يعزز الانتقال من مجرد الإدانة إلى المطالبة بالمساءلة والتعويض المدني للأفراد والمؤسسات الخاصة.

من هنا، تبرز أهمية النظر إلى المسارات المدنية الموازية بوصفها ضرورة مكملة للمسارات السياسية، لا هامشاً تابعاً لها. فهذه المسارات أكثر التصاقاً بحقوق الأفراد والمؤسسات المتضررة، وأكثر قدرة على تثبيت مبدأ أن الاتفاقات السياسية، بما في ذلك الاتفاق الإطاري أو النهائي بين الأطراف المتنازعة لا تسقط حق الضحايا في التقاضي، ولا ينبغي لها أن تتحول إلى مظلة «إعفاء» من المسؤولية القانونية.

ذلك وأن استمرار الاستهداف، المباشر أو غير المباشر، للأعيان المدنية والبنى الاقتصادية والاجتماعية في دول الخليج يفرض تطوير أدوات قانونية ترفع ملف الضرر من مستوى السجال السياسي إلى مستوى الدعوى الحقوقية والقضائية المدنية المستقلة.

وهذا التوجه ينسجم مع تطور القانون الدولي، ومع اتجاه عدد من الأنظمة القضائية الوطنية (الولايات المتحدة وأوروبا) إلى توسيع المجال أمام المتضررين لملاحقة الدول أو الكيانات المرتبطة بها متى أمكن إثبات المسؤولية أو الدعم أو التمويل أو التحريض.

وفي هذا الإطار، يبدو من الضروري العمل على بلورة مسار قانوني وقضائي في الولايات المتحدة، بالنظر إلى ما يتيحه نظامها القضائي من أدوات تنفيذية مؤثرة، وبالنظر أيضاً إلى وجود أصول وأموال إيرانية مجمدة أو محجوز عليها يمكن أن تتحول من مجرد أوراق تفاوض سياسي إلى وسائل قانونية محتملة لجبر الضرر وإنصاف المتضررين مادياً ومعنوياً في البحرين وعموم الدول التي استهدفتها طهران في عدوانها الآثم غير المبرر.

ولا تقوم الفكرة هنا على تسييس القضاء، بل على تفعيل حق التقاضي المدني بوصفه حقاً مشروعاً للأفراد والمؤسسات الخاصة التي لحقت بها أضرار مادية أو معنوية نتيجة الأفعال العدائية أو الشبكات المرتبطة بها وسوابق ذلك كثيرة.

غير أن هذا المسار لا ينجح بمجرد الرغبة، بل يحتاج إلى عمل قانوني احترافي يبدأ بإنشاء هيئة وطنية مدنية مستقلة، وتوثيق الضرر توثيقاً دقيقاً، يشمل الخسائر المالية المباشرة، وتعطل الأعمال، والأذى المعنوي، والضرر الذي أصاب السمعة أو الأمن أو الاستقرار المجتمعي.

كما يتطلب بناء ملفات قانونية متماسكة تربط بين الفعل الضار والجهات المسؤولة عنه، سواء بصورة مباشرة أو من خلال شبكات الدعم والتمويل والتوجيه.

وكلما ارتفع مستوى التوثيق والانضباط المهني، تعززت فرص نجاح هذه الدعاوى وتحولها إلى سوابق قضائية ذات أثر رادع.

ومن الأهمية بمكان ألا يُفهم هذا المسار على أنه بديل عن السياسي، بل باعتباره مكملاً له ورافعة ضاغطة مدنياً. فالدبلوماسية قد تفتح أبواب التهدئة، لكنها لا تكفي وحدها لتحقيق العدالة، ولا يجوز أن تكون بديلاً عن حق الضحايا في الإنصاف إنسانيا.

فالمسارات المدنية، تمنح المتضررين صوتاً قانونياً مستقلاً، وتمنع اختزال معاناتهم في تفاهمات دولية كبرى قد لا تكون العدالة في صدارة أولوياتها.

وهي، فوق ذلك، تبعث برسالة واضحة مفادها أن أي انفتاح سياسي على طهران لا يعني تحصينها من تبعات ما نتج عن سياساتها أو أنشطتها في عموم الفضاء الخليجي.

ومن بين الأفكار العملية الجديرة بالدراسة الجادة، ربط الإفراج عن الأموال الإيرانية المحجوز عليها في الولايات المتحدة وأوروبا بتسوية قانونية عادلة لملفات التعويض.

فقبل الإفراج عن هذه الأموال أو إعادة توظيفها ضمن صفقات وتسويات سياسية، ينبغي التحقق من عدم وجود مطالبات مدنية قائمة أو أحكام محتملة لصالح أفراد ومؤسسات تضرروا من السلوك الإيراني.

فالمقصود هنا ليس فرض عقوبة جماعية، بل ترسيخ مبدأ قانوني بسيط وعادل، حيث لا يجوز أن تتقدم الاعتبارات السياسية على الحقوق المدنية والإنسانية للضحايا.

إن محاسبة طهران مدنياً ليست نزعة انتقامية، بل استحقاقاً قانونياً وأخلاقياً وسيادياً.

وهي تعبير عن نضج في الرؤية الاستراتيجية الخليجية مدنياً، قوامه أن حماية الإنسان والأعيان المدنية لا تتحقق ببيانات الإدانة وحدها، بل تحتاج إلى جهد قانوني منظم وطويل النفس يحول الضرر إلى حق، والحق إلى دعوى، والدعوى إلى حكم واجب الاحترام والتنفيذ.

ومن هذا المنطلق، تكتسب فكرة إنشاء الهيئة الوطنية الخليجية لمحاسبة إيران أهمية خاصة، بوصفها إطاراً مؤسسياً يتولى جمع الأدلة، وتوثيق الأضرار، ومساندة المتضررين قانونياً، ومتابعة مسارات التقاضي والتعويض على المستويين الوطني والدولي.

فوجود مثل هذه الهيئة من شأنه أن ينقل الفكرة من حيز الطرح السياسي إلى مستوى العمل المدني المنهجي المستدام، وأن يجعل المحاسبة المدنية مشروعاً متكاملاً لا مجرد موقف عابر.