للبحرين الغالية قصة تستحق، بل يجب أن تُوثق.

لهذا جاء تشكيل اللجنة الوطنية لتوثيق ملحمة الصمود الوطني في توقيت بالغ الأهمية؛ وبمهمة وطنية خالصة، مهمة معنية بكتابة «السردية الوطنية البحرينية» بصوت البحرين، ومن منظور البحرين، ولأجل مستقبل البحرين.

السردية الوطنية سلاح مهم من أسلحة الدولة في مواجهة محاولات تزوير التاريخ واختطاف الذاكرة. وهنا لابد مع الإدراك بأن الدول التي لا تكتب قصتها بنفسها، سيكتبها الآخرون عنها، والأخطر أنهم سيكتبونها كما يشاؤون، وبما يخدم ما يريدون.

أمام اللجنة مسؤولية تاريخية تتمثل في بناء مرجع وطني شامل، يحفظ للأجيال قصة هذا الوطن منذ بداياته الأولى، وهنا أراها مهمة بأن تبدأ بحضاراته العريقة، ثم ملحمة أحمد الفاتح وتأسيس الدولة، وصولاً إلى مسيرة حكام آل خليفة الكرام الذين صنعوا مع شعبهم محطات متتالية من البناء والاستقرار والتنمية.

أيضاً هذه السردية لا يمكن أن تكتمل دون أن تتضمن الإرث الفكري والتاريخي الذي وثق مسيرة البحرين. في مقدمة ذلك كتاب «الضوء الأول» الذي قدم فيه جلالة الملك قراءة عميقة لتاريخ البحرين والمنطقة، إضافة إلى ما كُتب عن قوة دفاع البحرين، وعن مؤسسات الدولة، وسائر الوثائق والمخطوطات التي أرست الوعي الوطني ورسخت الانتماء.

كذلك من المبادرات التي يجب أن تُبنى عليها هذه السردية إعلان جلالة الملك هذا العام «عام عيسى الكبير»، في رسالة واضحة بأن الدول العريقة تخلد دوماً رجالها المؤسسين، وتستذكر محطات البناء الأولى.

وهنا أيضاً جاء صدور كتاب «عيسى الكبير» للزميلة الأستاذة القديرة سوسن الشاعر ليواكب هذه المبادرة الوطنية، ويضيف مادة توثيقية مهمة لمرحلة مفصلية من تاريخ البحرين.

هنا لا يجب النسيان، بأن التاريخ لا يُكتب بالإنجازات وحدها، بل يُكتب بالمواقف الحاسمة والمفصلية. وعليه، تبرز الصفحات التي اختبرت فيها البحرين صلابة قيادتها ووعي شعبها. من التصدي للأطماع الإيرانية في عهد الشاه، والموقف التاريخي للمغفور له صاحب العظمة الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة أميرنا الراحل الكبير، ومعه شقيقه القوي الحكيم الأمير الراحل خليفة بن سلمان آل خليفة، طيب الله ثراهما، ووقوف البحرينيين صفاً واحداً دفاعاً عن عروبة وطنهم، إلى المحاولة الانقلابية عام 1981 التي أثبتت أن العلاقة بين القيادة والشعب كانت أقوى من كل المؤامرات.

ثم جاءت التسعينات، وما شهدته من اضطرابات ومحاولات استهداف للاستقرار، قبل أن تدخل البحرين مرحلة جديدة في عهد جلالة الملك المعظم حفظه الله ورعاه، مرحلة عنوانها الإصلاح والتنمية، مع بقاء الحزم حاضراً في مواجهة كل من أراد العبث بأمن الوطن.

عام 2011 كان اختباراً وطنياً كبيراً، اختباراً كشف حقيقة راسخة؛ بأن البحرين حين تُستهدف، فإن شعبها يعرف أين يقف، ويعرف أن حماية الوطن مسؤولية الجميع، وأن الالتفاف حول القيادة جزء من هوية وطنية تشكّلت عبر عقود طويلة.

ثم جاءت أخيراً الاعتداءات الإيرانية الآثمة التي استهدفت أمن البحرين، لتؤكد مرة أخرى أن هذا الوطن يمتلك ملكاً اسمه حمد بن عيسى، ملكاً بقوة طود شامخ، قائداً يعرف كيف يدير الأزمات، ودولةً تمتلك مؤسسات قوية تواجه التحديات، وشعباً يزداد تماسكاً كلما اشتدت الظروف.

وثائق الولاء والانتماء التي شهدتها البحرين كانت صوتاً وطنياً أصيلاً، ومواقف لمن يحبون هذه الأرض، قابلتها وثيقة وفاء من ملك إنسان، أقسم بأن البحرين وأهلها لن يمسهم الضرر، فكان مشهداً عنوانه الصارخ بأن هذه العلاقة بين القيادة والشعب هي رباط ولاء وانتماء ووفاء لأجل تراب البحرين الغالية.

هنا أتطلع بأن تنجح اللجنة في صناعة مشروع وطني متكامل، يقرؤه الطالب، ويستند إليه الباحث، ويعتز به المواطن، ويقدم للعالم قصة البحرين كما عاشها أهلها، لا كما يحاول الآخرون تصويرها.

فنحن هنا لا نوثق مراحل زمنية بل نوثق هوية، ولا نكتب وقائع متفرقة، بل نكتب قصة وطن. قصة بدأت قبل قرون، ومازالت فصولها تُكتب كل يوم بإخلاص وقوة قيادته، ووفاء وانتماء شعبه، وإصراره أن تبقى البحرين وطناً عربياً عزيزاً، عصياً على كل الأطماع.

هذه هي القصة البحرينية، قصة من حق الأجيال القادمة أن تقرأها كاملة، ومن واجبنا أن نسلمها لهم كما كانت؛ صادقة، موثقة، ومليئة بالفخر والوطنية الخاصة.