في المقالِ السابق، سرنا مع كشتاتِ القيظ منذ لحظةِ التجمعِ في الفريج، حتى عادت بنا الحافلةُ مع غروبِ الشمس، وقد حملت معنا ضحكاتِ يومٍ لا يُنسى. لكنَّ الذكرياتِ الجميلةَ تشبهُ البحر؛ كلما غصنا فيها أكثر، أخرجت لنا لآلئ جديدة. لذلك، لن نكررَ الرحلة، بل سنعود إليها من نافذةٍ أخرى، لنلتقطَ تفاصيلَ صغيرةً لم تكن صغيرةً في الحقيقة، بل كانت تصنعُ وطناً كاملاً في قلبِ طفل.
كانت وجهتُنا دائماً إلى «النَّخْل». وما إن تطأ أقدامُنا أرضَ المزرعة، حتى نشعرَ أنَّ الصيفَ فقد قسوته، وأنَّ الشمسَ نفسها أصبحت ألطفَ تحت ظلالِ النخيل. هناك البحرينُ ترتدي ثوباً أخضر، وتفتحُ ذراعيها لأبنائها، كأمٍّ تعرفُ كيف تُنسي صغارَها حرارةَ القيظ بقطرةِ ماءٍ، وظلِّ نخلة، وابتسامةِ إنسان.
وكان للريوق طعمٌ آخر لا يُنسى؛ سمبوسة وجباتي وبيض وطماط، وأحياناً بلاليط، نجتمع حولها بفرحٍ بسيطٍ لكنه عميق. بعضنا كان يخرج للريوق بثيابٍ مبللة بعد السباحة، غير آبهٍ بشيء، وبعضنا يرفض الخروج متعلّقاً بالماء، وكأن البركة صارت عالمه الخاص. وكانت الأمهات يطعمننا بلمّةٍ دافئة، تختلط فيها الضحكات مع لقيماتٍ صغيرة، فنشعر أن الشبع ليس من الطعام فقط، بل من القلوب التي حولنا.
كانت الأشجارُ تفيضُ بخيراتها؛ لوزاً أخضرَ، وتيناً يانعاً، ورُطباً بأنواعه المختلفة، وبمبراً كنا نقطفه بفرحِ المنتصرين. وكانت البركةُ بمقابلٍ يدفعه الزائرون، لكنَّ أصحابَ المزارعِ كانوا أغنى من أن يحسبوا الكرمَ بالأثمان. فما إن ننتهي من السباحة، حتى يتركونا نتجولُ بين الأشجار، نمدُّ أيدينا إلى الثمار، وكأنَّ المزرعةَ كلها تقول لنا: خذوا من الخير ما يسعُ فرحتكم.
وما زلتُ، كلما أغمضتُ عيني، أسمعُ صوتَ «مكينة البرجة» يدورُ في مكانٍ بعيد، لكنه قريبٌ من القلب. لم يكن مجردَ صوتِ آلة، بل كان جرسَ الفرحِ الذي يعلنُ بدء احتفالِ الأطفال. وكان (هوزُ الماءِ) يندفعُ بقوةٍ، فنقفُ تحته واحدًا تلو الآخر، يدفعنا الماءُ بعيدًا، فنعودُ إليه ضاحكين، وكأننا ندخلُ لعبةً لا يعرفُ الفوزَ فيها إلا من يبتسمُ أكثر.
أما وسطُ البركة، فكان وطناً صغيراً للغشمرةِ والضحكات. لم يكن الماءُ يغسلُ أجسادَنا فقط، بل كان يغسلُ قلوبَنا من كلِّ شيء، ويتركها بيضاءَ كغيومِ الصيف.
وفي الطرفِ الآخر، كانت الفتياتُ يجلسن تحت ظلالِ النخيل، ينسجنَ من السوالفِ حكاياتٍ أطولَ من النهار، فيما كانت النخيلُ تميلُ برؤوسها، كأنها تنصتُ إليهنَّ هي الأخرى.
ولم نكن نعرفُ يومها أنَّ البحرينَ كانت تُعلِّمنا درساً عظيماً دون أن تفتحَ كتاباً. كانت تغرسُ حبَّ الوطنِ فينا من خلالِ الفرح، لا من خلالِ الكلمات. فمن أحبَّ ظلَّ نخلةٍ، وصفاءَ عينٍ، وكرمَ إنسان، لن يبخلَ يوماً بحبِّ الأرضِ التي منحتْه كلَّ ذلك.
كبرنا... وعرفنا أنَّ تلك الطمأنينةَ التي كنا نلهو في ظلِّها لم تكن وليدةَ الصدفة. أدركنا أنَّ خلفَ ضحكاتِ الأطفالِ رجالًا يسهرون، وخلفَ هدوءِ المزارعِ وطنًا يحرسه المخلصون، وخلفَ كلِّ يومٍ جميلٍ قيادةً جعلت أمنَ الإنسانِ أولَ أولوياتها، حتى بقيت البحرينُ كما عرفناها؛ وطناً يزرعُ الفرحَ ويحرسُه.
واليوم، كلما مررنا بنخلةٍ، أو سمعنا خريرَ ماءٍ، أو هبَّت رائحةُ مزارعَ قديمة، لا تعودُ إلينا ذكرياتُ رحلةٍ فقط، بل تعودُ البحرينُ كلُّها. تعودُ طفولتُنا، وتعودُ وجوهُ أهلِها الطيبة، ويعودُ ذلك الشعورُ الجميلُ الذي لم نفهمه ونحن صغار، ثم اكتشفناه حين كبرنا... أنَّ الوطنَ الذي يجعلُ طفولةَ أبنائه مليئةً بالفرح، يسكنُ قلوبَهم إلى الأبد.