يقول ابن المقفع:»مَنْ دام كسله، خابَ أمله»، ويقول آخر: «الكسلُ وِسَادةُ الشيطان، ومَنْ رضي بالكسل رضي بالنقص، ومَنْ لازم الرّقاد فاته المُراد»، وشبَّهوا الكسل باللص؛ لأنه يسرق الأعمار والإنجازات، وعدُّوه بداية كلّ الشرور والمفاسد، وقالوا: «عندما يمشي الكسل في الطريق فلا بدّ أن يلحقه الفقر».
دعِ التكاسلَ في الخيراتِ تطلبُها* فليس يسعدُ بالخيراتِ كسلانُ
والكسل من مكايد الشيطان، وبه يثبط العبد عن العمل والعطاء، ويلقي الخمول والركود في قلبه، ويدعوه إلى التثاقل والغفلة، وهو داء لا يصيبُ فئة محددة من الناس، بل يصيب مختلف شرائح المجتمع -إلا من رحم الله- فقد يكون المرء شعلةً مِنَ النشاط في علمه وعمله ودعوته وعطائه، ثم يقلُّ نشاطه ويخبو، وكأنه انتقل إلى البيات الشتوي. والكسلُ والفتور متقاربان في المعنى، فالكسل هو التثاقل والتراخي عما ينبغي مع القدرة عليه، أما الفتور فكما قال الراغب: سكنٌ بعد حدّة، ولينٌ بعد شدّة، وضعفٌ بعد قوّة.
وقد ذم الله تعالى المنافقين لكسَلِهم وتثاقلهم عن الصلاة فقال تعالى: (وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى) (النساء: 142)، واستعاذَ النّبي صلى الله عليه وسلم مِنَ العجز والكسل في قوله تعالى: «اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل» صحيح البخاري: 2823.
وأوصى السلف بالبعد عن الكسل، فقال أبو جعفر محمد بن علي الباقر لابنه: «يا بني، إياك والكسل والضجر، فإنهما مفتاح كل شر؛ إن كسلتَ لم تؤدِ حقاً، وإن ضجرتَ لم تصبر على حق».(حلية الأولياء 3/183).
وقد دعا الشعراء إلى علوّ الهمة، وتحمل المشقّة وبذل الجهد في طلب المعالي والمآثر، ونفض غبار الخمول والتواني، فقال عمرو بن كلثوم:
أَلا لا يَعلَمُ الأَقوامُ أَنّا * تَضَعضَعنا وَأَنّا قَد وَنينا
واعتبروا التعب والإرهاق في سبيل الخير والحقّ راحةً وسكينة للنفس، فقال أحمد شوقي:
أُعِدَّتِ الراحَةُ الكُبرى لِمَن تَعِبا * وَفازَ بِالحَقِّ مَن يَألُهُ طَلَبا
ويرى المختصون أن الفتور لا يعني الفشل ولا نهاية المطاف، بل هي إشارة إلى حاجة الإنسان لمراجعة نفسه، وإعادة شحن طاقته، وترتيب أولوياته، حيث إن الحياة تمرّ بمراحل من الصعود والهبوط، والنشاط والركود، وبين همّة عالية تناطح السحاب، وأغلال مِنَ البرود تهوي بصاحبها إلى القاع.
ومن أسباب الفتور: ضعف الوازع الديني، والإرهاق المتواصل، وغلبة الروتين اليومي، وغياب الرؤية الواضحة، ووضع أهداف كبيرة غير واقعية، والمقارنة بالآخرين، وإهمال النفس، وكثرة الضغوط، وغيرها.
ومن علاجه: الاستعانة بالله تعالى، واللجوء إليه، واتباع الوسطية، وعدم التشدد، والمسارعة إلى الخيرات، ومجالسة أصحاب الهمة العالية، والنظر في سير العظماء، وممارسة الرياضة، وعدم الإكثار من النوم، والتحلي بمكارم الأخلاق، ومعرفة قيمة الزمن. (باختصار من موسوعة الأخلاق والسلوك، ص: 832).
واعلم أن الفتور ليس النقطة الأخيرة، ولا المحطة النهائية، بل قد يكون فرصة لمراجعة النفس، وإعادة ترتيب الأولويات، وتجديد النشاط، واستعادة الهمّة، حتى يكون الإنسان أشدّ وعياً وبصيرةً، وأكثر نضجاً وحيويةً.
شمعة أخيرة
مهما واجهتَ من الفتور، والوحشة، والملل، والتعثر، وضعف الهمة، والتكاسل، فلا تستسلم، ولا تنقطع عن الدعاء بالرشد، والهداية، والتوفيق، والتيسير، ولا عن بدء العمل، ولو كان صغيراً؛ فخيرُ العملِ أدومُه وإن قلَّ.