قبل أن تمتلئَ الرفوفُ بالعرائسِ الجاهزة، كانت طفولتُنا تعرفُ سرّاً آخر للسعادة؛ سعادةَ أن نصنعَ لعبتَنا بأيدينا، وأن نمنحَ الأشياءَ الجامدةَ حياةً لا يراها إلا الأطفال.
كان «المِدّود» يبدأُ من أعوادٍ خشبيةٍ بسيطة، لا قيمةَ لها في نظرِ الكبار. نجمعها بحماسٍ، ثم نربطُ بعضها ببعض، ونعكسُ بعضها عرضاً ليصبحَ للعروسِ ذراعان ممدودتان كأنهما تستعدان لاحتضان العالم. شيئاً فشيئاً تبدأُ الملامحُ بالظهور، ويتحوّلُ العودُ الخشبيُّ إلى فتاةٍ صغيرةٍ من نسجِ الخيال.
ثم تأتي مرحلةُ الجمال. نفتشُ بين بقايا الأقمشة عن أثوابٍ تليقُ بعروسنا، فنقصُّ ونخيطُ ونلفُّ القماشَ حولها بحبٍ وصبر. أما شعرُ العروس، فكنا نصنعُه من خيوطِ الحياكةِ السوداء. نجمعُ الخيوطَ ونقصُّها ، ثم نثبتُها على رأسِ العروس بعنايةٍ وصبر، لتنسدلَ كخصلاتِ شعرٍ حقيقية. وأحياناً نضفرُها ضفيرتين، أو نربطُها بشرائطَ صغيرة، فنقفُ نتأملُ عروسَنا بإعجابٍ كبير، وكأننا صنعنا تحفةً فنيةً لا مجردَ لعبةٍ للطفولة.
ولم تكن عروسٌ واحدةٌ تكفينا أبداً. فما قيمةُ الحياةِ بلا عائلة؟ لذلك كنّا نصنعُ أكثرَ من عروس؛ أمّاً وبناتٍ وأخواتٍ، وأحياناً أباً أيضاً. كانت لكلِّ واحدةٍ شخصيةٌ مختلفة، واسمٌ مختلف، وحكايةٌ مختلفة. هذه الكبرى العاقلة، وتلك الصغرى المشاغبة، وهذه الأمُّ التي تديرُ شؤونَ البيت، وذلك الأبُ الذي يعودُ مساءً إلى أسرته. لم تكن أعواداً وخيوطاً كما يراها الآخرون، بل كانت بشراً حقيقيين في عالمنا الصغير.
وبعد أن تكتملَ الأسرةُ، يبدأُ بناءُ المملكة. صندوقُ كرتونٍ قديم يتحوّلُ إلى بيتٍ واسع، تُقسَّمُ غرفُه بأيدينا، وتُفتحُ فيه النوافذُ والأبواب. نصنعُ المجالسَ والأسِرَّةَ والمطابخَ من علبٍ صغيرةٍ وأغطيةٍ مهملة، ثم نرتبُ كلَّ شيءٍ بعنايةٍ كأننا نبني بيتَ العمر.
وكانت ساعاتُ اللعبِ تمتدُّ طويلاً. العرائسُ تستيقظُ وتنام، تتزاورُ وتتسامر، تفرحُ وتحزن، وتكوّن أسرة. وكنا نحنُ الكاتباتِ والمخرجاتِ لكلِّ تلك الحكايات. نصنعُ الشخصياتِ وننسجُ الأحداثَ ونمنحُ كلَّ عروسٍ دورًا في قصةٍ لا تنتهي.
ولم نتعلّم صناعةَ «المِدود» من كتابٍ أو مدرسة، بل تعلّمناها على أيدي أمهاتنا. كنَّ يجلسنَ إلى جوارنا بصبرٍ ومحبة،. كانت الأمُّ تصنعُ أمامنا أولَ عروس، ثم تتركُ لنا متعةَ الاكتشاف، فنحاولُ مرةً ونخطئُ مرات، حتى تولدَ عروسُنا الأولى مائلةَ الرأسِ أو غيرَ متناسقةِ الأطراف، لكنها في أعيننا كانت أجملَ عروسٍ في الدنيا.
ولم تكن الأمهاتُ يعلّمننا صناعةَ العرائسِ فحسب، بل كنَّ يعلّمننا دون أن نشعرَ الصبرَ والدقةَ والاعتمادَ على النفس. فكلُّ عروسٍ كانت درسًا صغيرًا في الإبداع، وكلُّ غرزةٍ كانت حكايةَ محبةٍ تنتقلُ من يدِ أمٍّ إلى يدِ ابنتها، حتى أصبح «المِدود» جزءًا من ذاكرةِ الطفولةِ وذاكرةِ الأمهاتِ معًا.
وربما لهذا السبب، كلما تذكّرنا تلك العرائسَ اليوم، لا نتذكرُ الأعوادَ والخيوطَ والقماشَ فقط، بل نتذكرُ أمهاتنا أيضاً؛ أصابعَهنَّ الدافئة، وابتساماتِهنَّ وهنَّ يراقبنَ دهشتنا الأولى، وكأنَّ كلَّ عروسٍ صنعناها كانت تحملُ في قلبها شيئاً من حبِّ الأم، لذلك بقيت حيّةً في الذاكرةِ كلَّ هذه السنين.