في عالم «السوشيال ميديا» المفتوح، برزت فئةٌ نصبت نفسها وصيةً على عباد الله، لا تترك شاردةً ولا واردة إلا وأقحمت أنوفها فيها، المثير للدهشة ليس مجرد التدخل في الخصوصيات، بل تلك الهالة التي يحيطون بها أنفسهم؛ فهم يتقمصون أدوار «النشطاء» أو «المحللين»، وكأن هذه المسميات تمنحهم صكاً ليكونوا حكّاماً على نوايا الناس، متحدثين باسم «الشعب» الذي لم يُفوّضهم يوماً بالرد أو التجريح.
إن الخطر الحقيقي الذي نواجهه اليوم يتجاوز حدود «حرية الرأي»؛ فقد بتنا نشهد تجاوزات تطال قدسية الخصوصية، حيث يتمسك البعض بالحق في الاختلاف ليحوله إلى «سلاح هجومي» لا يكتفي بنقد الفكرة، بل يمتد بوقاحة للنيل من أصول الأشخاص، والتشكيك في نشأتهم، والخوض في تفاصيل حياتهم الشخصية، في انحدارٍ أخلاقي لا يمت للمجتمع البحريني بصلة.
يجب أن نعي جيداً أن الاختلاف لا يعني الخصومة، والنقد لا يبيح التعدي على الكرامة، إن صاحب المسمى المهني -سواء كان إعلامياً أو قانونياً- أو من سمى نفسه - محللاً أو ناشطاً- مُلزم بميثاق شرف أخلاقي قبل المهني؛ فالمهنة ليست رخصة للاستعلاء أو لفرض الوصاية، بل هي أمانة توجب على صاحبها تقديم الحجة لا الشتيمة، والتحليل المنطقي لا التنظير الاستفزازي.
إن هؤلاء لا يسيئون لأنفسهم فحسب، بل يسيئون لسمعة الوطن وصورة المجتمع الراقي، والأخطر هو الأثر التربوي؛ فما هي الرسالة التي نوصلها للأجيال حين نرى «قدوة» يغرس ثقافة الإساءة للأصول والنشأة؟ إن حماية ذوقنا العام من هذا التلوث اللفظي أصبحت أولوية وطنية، فالحرية تنتهي حين تبدأ كرامة الآخرين، ويجب أن نحتفظ جميعاً بسمعة البحريني المعروف بأخلاقه وسمته وطيبته.
إننا بحاجة إلى وقفة حازمة؛ فالجهات والمؤسسات مطالبة بموقف صريح لتفعيل ضوابط أخلاقية تحمي الفضاء الرقمي من الفوضى، ليعرف كل ذي مسمى حدوده. إلى كل من يعتقد أن الفضاء الإلكتروني غابة للمتسلطين، أو ساحة لتفريغ عقده النفسية، نقولها بوضوح: «مب شغلك». انشغل بمهنيتك، ببيتك، وبتهذيب لسانك؛ فالمجتمع يلفظ دائماً من يفتقر إلى الحكمة، ويحترم من يسمو بأخلاقه قبل علمه.
همسة
إذا كنتم لا تراعون سمعتكم، ولا تستحون من إحراج والديكم، وإخوانكم، وأبنائكم، وعائلاتكم.. فإنه يهمنا جميعاً ألا تسيئوا لسمعة وطننا بتصرفاتكم وألفاظكم في منشوراتكم وحواراتكم وتراشقكم في السوشيال ميديا بالمختصر «استحوا..“