بداية، أود أن أشير إلى أنه حتى 1 يوليو 2026، لا يمكن الجزم بأن ما يحدث هو «نينيو سوبر»، وإنما تشير توقعات المنظمة العالمية للأرصاد الجوية إلى احتمال كبير (80–90%) لتطور ظاهرة إل نينيو خلال صيف وخريف 2026، وقد تصبح قوية جدا في 2027، إلا أن وصفها بـ»السوبر» مازال توقعاً وليس حقيقة مثبتة.
عندما ترتفع حرارة المحيط الهادئ بضع درجات مئوية فقط، قد يبدو الأمر وكأنه حدث محلي بعيد عن منطقتنا. لكن الفيزياء تخبرنا قصة مختلفة تماماً؛ فالمحيط والغلاف الجوي يشكلان منظومة واحدة مترابطة، وأي اضطراب كبير في أحدهما يرسل موجات من التأثيرات تمتد آلاف الكيلومترات، لتصل إلى أوروبا، وآسيا، والخليج العربي، بل وحتى القطبين، ولهذا يراقب علماء المناخ اليوم باهتمام بالغ التطور السريع لظاهرة إل نينيو، التي قد تصبح واحدة من أقوى الظواهر المناخية خلال العقود الأخيرة.
ما هو النينيو؟
في الظروف الطبيعية تهب الرياح التجارية من شرق المحيط الهادئ (الأرجنتين) نحو غربه (أستراليا)، فتدفع المياه الدافئة باتجاه إندونيسيا وأستراليا، بينما ترتفع المياه الباردة من أعماق المحيط قرب سواحل أمريكا الجنوبية لتعويضها. هذه الدورة تعمل كأنها مضخة حرارية عملاقة تنقل الطاقة داخل المحيط، ولكن عندما تضعف الرياح التجارية، تتوقف هذه المضخة تدريجياً، وتبدأ المياه الدافئة بالانتشار شرقاً فوق مساحة شاسعة من المحيط الهادئ الاستوائي، فتزداد حرارة سطح البحر بصورة غير اعتيادية، وهنا تبدأ ظاهرة إل نينيو (El Nino)، أما إذا تجاوز الاحترار نحو 2 درجة مئوية فوق المعدل الطبيعي، واستمر عدة أشهر، فإن بعض الباحثين يطلقون عليه اسم «النينيو السوبر»، وهو مصطلح إعلامي أكثر منه تصنيفاً رسمياً.
لماذا يحدث النينيو؟
من الناحية الفيزيائية، تنشأ الظاهرة نتيجة خلل مؤقت في توازن القوى بين:
• الرياح التجارية.
• فرق الضغط الجوي بين شرق (الأرجنتين) وغرب المحيط الهادئ (أستراليا).
• دوران المياه السطحية.
• التيارات الصاعدة الباردة.
وعندما تضعف الرياح التجارية، يقل صعود المياه الباردة، فتحتفظ المياه السطحية بحرارتها، وتصبح كميات هائلة من الطاقة الحرارية مختزنة في المحيط، ولأن المحيط يمثل أكبر مخزن للطاقة على الأرض، فإن هذه الطاقة لا تبقى فيه، بل تنتقل إلى الغلاف الجوي على هيئة حرارة وبخار ماء، فتتغير أنماط الرياح والأمطار في معظم أنحاء العالم؛ إنها تشبه إلى حد كبير تغيير مكان موقد التدفئة داخل غرفة كبيرة؛ فحتى لو لم تتغير كمية الحرارة الكلية، فإن توزيعها داخل الغرفة يتغير بالكامل.
لماذا يزداد تأثير النينيو اليوم؟
قبل خمسين عاماً كان النينيو يحدث فوق مناخ أبرد نسبياً، أما اليوم، فإن العالم أصبح أكثر دفئاً بحوالي 1.3–1.5 درجة مئوية مقارنة بعصر ما قبل الثورة الصناعية، لذلك فإن أي نينيو جديد يبدأ من «خط أساس» أكثر حرارة، ولهذا يقول علماء المناخ إن النينيو اليوم لا يصنع الاحترار العالمي، بل يضيف إليه دفعة إضافية؛ فالاحتباس الحراري يشحن النظام المناخي بالطاقة، بينما يعمل النينيو على إعادة توزيع هذه الطاقة بسرعة أكبر.
لماذا تشهد أوروبا حرارة قياسية؟
قد يعتقد البعض أن السبب الوحيد هو النينيو، لكن الحقيقة أكثر تعقيداً، فالعامل الرئيس هو الاحترار العالمي الناتج عن زيادة غازات الدفيئة، بينما قد يساهم النينيو في رفع متوسط حرارة الكوكب، إلا أن موجة الحر الأوروبية الحالية ترتبط أيضاً بما يسمى القبة الحرارية (Heat Dome) أو أنماط الضغط المرتفع الراكدة، التي تمنع تبدد الهواء الساخن وتجعل الحرارة تتراكم يوماً بعد يوم، وتشير بيانات الأيام الأخيرة إلى تسجيل درجات حرارة قياسية في عدة دول أوروبية، مع تجاوز 45 درجة مئوية في مناطق عديدة، واعتبار يونيو 2026 من أكثر الأشهر حرارة في تاريخ الرصد في أجزاء من أوروبا.
لماذا تسبب الحر
هذه الوفيات الكثيرة؟
الإنسان يحافظ على حرارة جسمه عند نحو 37 درجة مئوية، ويفقد الجسم حرارته بثلاث وسائل رئيسية هي الإشعاع، والحمل الحراري، وتبخر العرق، ولكن عندما ترتفع درجة حرارة الهواء إلى أكثر من 40 درجة مئوية، خاصة مع ارتفاع الرطوبة، يصبح الهواء نفسه مصدراً لاكتساب الحرارة بدلاً من فقدها. كما أن الرطوبة العالية تمنع تبخر العرق، فتتعطل أهم وسيلة تبريد طبيعية للجسم، وعندها تبدأ حرارة الجسم الداخلية بالارتفاع تدريجياً، مما يؤدي إلى:
• الإجهاد الحراري.
• ضربة الشمس.
• فشل الدورة الدموية.
• اضطرابات القلب.
• تلف الدماغ في الحالات الشديدة.
ولهذا فإن معظم الوفيات تكون بين كبار السن، ومرضى القلب، والأشخاص الذين يعيشون في مبانٍ غير مكيفة. وقد سجلت عدة دول أوروبية أعداداً كبيرة من الوفيات الزائدة المرتبطة بالحرارة خلال موجة الحر الحالية.
هل ستتأثر دول الخليج العربي؟
التأثير في دول الخليج العربي عادة أقل وضوحاً من تأثيره في أوروبا، لكنه قد يظهر بصورة غير مباشرة، ومن المتوقع أن يؤدي النينيو القوي إلى:
• زيادة احتمال استمرار فترات الحر الشديد.
• ارتفاع درجات حرارة مياه الخليج العربي.
• زيادة الرطوبة الساحلية.
• ارتفاع مؤشر الإجهاد الحراري (Heat Index)
• زيادة استهلاك الكهرباء لأغراض التكييف.
• زيادة تبخر المياه وارتفاع ملوحة بعض المناطق الساحلية.
لكن لا توجد علاقة مباشرة تجعل النينيو وحده مسؤولاً عن كل موجة حر في الخليج العربي، إذ تلعب طبيعة المنطقة الصحراوية، وارتفاع حرارة مياه الخليج، وأنظمة الضغط شبه المدارية دوراً أساسياً أيضاً.
لماذا ترتفع حرارة البحار؟
المحيطات تمتص أكثر من 90% من الحرارة الزائدة الناتجة عن الاحتباس الحراري، ولهذا أصبحت حرارة سطح البحار والمحيطات تسجل أرقاماً قياسية خلال السنوات الأخيرة، وعندما تسخن البحار فإنها:
• تزيد تبخر الماء.
• تضخ مزيداً من بخار الماء في الجو.
• ترفع الرطوبة.
• تغذي العواصف بطاقة أكبر.
وقد سجلت حرارة سطح المحيطات في يونيو 2026 مستويات قياسية جديدة، وهو ما يزيد من مخاوف العلماء من تصاعد الظواهر الجوية المتطرفة، وحالياً (1 يوليو 2026)، تبلغ درجة حرارة سطح مياه الخليج العربي حول البحرين حوالي 32.5–33.1 درجة مئوية، مع اختلاف بسيط بين المواقع الساحلية، وترتفع تدريجياً لتصل إلى 34–35 درجة مئوية خلال أغسطس، وقد تسجل بعض الخلجان الضحلة قيماً أعلى من ذلك في فترات الهدوء والرياح الضعيفة.
ختاماً، إن ما نشهده اليوم في أوروبا ليس حدثاً منفصلاً، بل هو جزء من منظومة مناخية عالمية مترابطة، حيث يمكن لتغير يبدأ فوق مياه المحيط الهادئ أن ينعكس، بعد آلاف الكيلومترات، على درجات الحرارة في أوروبا، ورطوبة الخليج العربي، وصحة الإنسان، وأمن المياه والغذاء والطاقة، وفي عالم تحكمه قوانين الفيزياء، لا تعرف الطاقة ولا الغلاف الجوي الحدود السياسية، بل تنتقل آثارها عبر الكوكب بأسره.