تدفع الحرب الأمريكية الأخيرة على إيران إلى ضرورة إعادة النظر بجدية في ما يمكن وصفه بـ»متممة ترامب لعقيدة مونرو»، أي الاتجاه نحو إعادة تعريف الأمن القومي الأمريكي من منظور أولوية الحيز الجغرافي الحيوي لا النفوذ الاستراتيجي فقط.

ومنع القوى الكبرى المنافسة، وفي مقدمتها الصين وروسيا، من ترسيخ حضور استراتيجي فيه عبر التكافل الفاعل. غير أن أهمية هذا التوجه لا يكمن فقط في مضمونه المباشر، بل في ما يكشفه من تحوّل أعمق في التفكير الأمريكي؛ أي من إدارة النفوذ إلى إعادة ترتيب الأولويات والاقتراب من مفهوم انتقائي أمثل للأمن الوطني.

في ظاهر الأمر، تبدو هذه المقاربة منسجمة مع منطق الدولة الكبرى التي تسعى إلى حماية مجالها الحيوي المباشر في لحظة دولية مضطربة.

فهي تنطلق من فرضية أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على توزيع التركيز والمقدرات بفاعلية في أكثر من حيز جغرافي بنفس الكفاءة بين المحيط الهادئ، والشرق الأوسط، وشمال الأطلسي، وأمريكا اللاتينية.

ومن هنا يصبح نصف الكرة الغربي، بكل امتداداته من القطب الشمالي إلى الممرات البحرية الجنوبية، مجالاً يكتسب أولوية متقدمة في الحسابات الاستراتيجية الأمريكية.

لكن هذا التحول، على الرغم من وجاهة بعض دوافعه، يفتح أسئلة دقيقة تتعلق بحدود القدرة الأمريكية على الجمع بين إعادة التموضع الجغرافي والمحافظة في الوقت نفسه على تماسك شبكة التحالفات والمصالح والنفوذ الدولي.

فالتاريخ الاستراتيجي للولايات المتحدة يبيّن أن القوة لا تُقاس فقط باتساع الانتشار (الحرب على الإرهاب)، بل كذلك بمهارة ترتيب الأولويات وتحديد الحيوي من الثانوي.

وعندما تتداخل دوائر الالتزام من دون تسلسل واضح، تصبح كلفة الحفاظ على المبادأة أعلى، حتى بالنسبة إلى قوة كبرى مثل الولايات المتحدة (فرضية غزو تايوان أو امتداد الحرب الروسية الأوكرانية إلى الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي).

في هذا السياق، تبرز غرينلاند بوصفها مثالاً دالاً على حساسية المرحلة.

فإعادة إدراجها ضمن التفكير الأمني الأمريكي لا تعكس مجرد اهتمام بجغرافيا الممرات القطبية وشمال الأطلسي، بل تشير أيضاً إلى إدراك متزايد لأهمية ما تمثله ممرات القطب الشمالي «الجديدة» من حيوية استراتيجية متنامية في معادلتي الأمن والمنافسة الدولية القائمة.

إلا أن هذه المقاربة تصطدم بحقيقة أن الحلفاء الأوروبيين ينظرون إلى هذه الملف من زاوية السيادة والتوازن داخل حلف الأطلسي، لا من زاوية الاحتياجات الأمريكية وحدها.

ولذلك فإن أي مسعى أمريكي لتعظيم حضورها في هذا المجال يحتاج إلى قدر عالٍ من التفاهم السياسي مع أوروبا، حتى لا يُفهم باعتباره تجاوزاً لحساسيات الحلفاء أو إعادة صياغة للأمن الأطلسي من طرف واحد.

ومن هنا تتصل المسألة مباشرة بالحرب في أوكرانيا ومآلاتها. فإذا انتهت الحرب إلى نتيجة تُفسَّر أوروبياً على أنها نجاح أوكراني واضح في تثبيت سيادتها وكبح الاندفاعة الروسية، فإن ذلك قد يمنح الأوروبيين ثقة أكبر في قدرتهم على بلورة مفهوم أمني أكثر استقلالاً داخل الفضاء الغربي.

وقد ظهرت مؤشرات أولية على هذا الاتجاه عبر رفع مستوى الإنفاق الدفاعي، وتوسيع برامج التصنيع العسكري، وتنامي الخطاب الداعي إلى «الاستقلال الاستراتيجي» الأوروبي، بما في ذلك مظلة ردع نووي.

ولا يعني هذا بالضرورة قطيعة مع الولايات المتحدة، بل ربما إعادة توازن في العلاقة، بحيث تصبح المظلة الأمريكية جزءاً من منظومة أوسع، لا مركزها الأوحد.

أما إذا طالت الحرب أو انتهت بتسوية غير حاسمة، فسوف تترسخ تلك القناعة الأوروبية بما يتجاوز مرحلة النقاش (نشر فرنسا لمقاتلات من فئة رافال F-4 ذات القدرة على حمل أسلحة نووية في إحدى القواعد البولندية) بل حول الاستقلال الأمني واستقلالية قرار الردع النووي.

أي أن أوروبا لم تعد تُعامَل المظلة الأمنية الأمريكية بوصفها معطى ثابتاً، بل بوصفها عنصراً خاضعاً للتقييم المستمر وفق تغير الإدارات والأولويات في واشنطن.

ويكتسب هذا السؤال بعداً أكثر دقة في جنوب شرق آسيا وغربها. فحلفاء الولايات المتحدة في تلك المنطقة يراقبون ليس فقط مستوى حضور القوة الأمريكية، بل أيضاً درجة تفرغها ووضوح التزاماتها (خلال الحرب الأخيرة، تم إعادة توجيه أصول قتالية من مسرح عمليات جنوب آسيا إلى الشرق الأوسط).

إذا بدا أن واشنطن تتجه إلى توزيع اهتمامها بين احتواء الصين، وإدارة توترات الشرق الأوسط، وتعزيز موقعها في نصف الكرة الغربي، فقد ينشأ لدى بعض الحلفاء انطباع بأن المظلة الأمنية الأمريكية لم تعد بالصلابة نفسها التي كانت عليها في العقود السابقة.

وفي مثل هذه الحالات، تميل الدول عادة إلى توسيع هامش اعتمادها على الذات (إعادة صياغة مفهوم توازن قوة وقوة ردع إقليمي).

ولا يعني ذلك أن دول المنطقة ستتجه تلقائياً إلى تطوير ردع نووي مستقل، لأن هذا الخيار تحكمه اعتبارات قانونية وسياسية واستراتيجية معقدة.

إلا أن تراجع اليقين في الضمانة الأمريكية قد يدفع بعض العواصم إلى التفكير في صيغ ردع ذاتي أكثر تقدماً، تبدأ من تعزيز القدرات الصاروخية والبحرية والجوية (اليابان / كوريا الجنوبية / أستراليا).

بل قد تمتد إلى بناء قدرات تقنية كامنة تمنحها هامشاً أوسع من الاستقلال إذا تبدلت البيئة الأمنية بصورة جذرية (برنامج غواصات تعمل بالدفع النووي لكل من اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا، ذلك بالإضافة إلى قدرتها على الإطلاق العامودي لصواريخ جوالة واعتراضية).

وبذلك يصبح السؤال النووي مطروحاً لا باعتباره قراراً وشيكاً، بل باعتباره نتيجة محتملة إذا تآكلت الثقة بالمصداقية الأمريكية.

من هذه الزاوية، تبدو «متممة ترامب لعقيدة مونرو» تعبيراً عن محاولة مفهومة لإعادة ترتيب الأولويات الأمريكية، لكنها تحمل في الوقت نفسه مفارقة دقيقة.

فالسعي إلى تعزيز الأمن في المجال الحيوي القريب قد يقود، إذا لم يُضبط بعناية، إلى نتائج غير مقصودة في المجال الأوسع. فقد تجد أوروبا في ذلك مُسرع في تطوير مفهوم أمني مستقل، وقد تميل بعض القوى الآسيوية إلى توسيع مفهوم الردع الوطني.

وعندئذ لا يكون التحدي في النيات الاستراتيجية، بل في أثرها التراكمي على بنية التحالفات التي شكّلت أحد أهم مصادر القوة الأميركية خلال العقود الماضية.

لذلك، ربما يكون النهج الأكثر اتزاناً هو الذي يجمع بين تأمين المصالح المباشرة للولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي، وبين الحفاظ على منطق الشراكة الوثيقة مع الحلفاء في أوروبا وآسيا. فالقوة الأمريكية كانت تاريخياً أكثر فاعلية حين اقترنت بالقدرة على الطمأنة، لا حين ارتبطت فقط بإعادة ترسيم المجالات الحيوية.

وفي لحظة دولية شديدة السيولة، يبقى نجاح أي عقيدة جديدة مرهوناً ليس فقط بصلابة أهدافها، بل أيضاً بقدرتها على التوفيق بين الأولوية الوطنية واستدامة منظومة التحالفات التاريخية عبر تطوير منظور أمني أكثر قابلية للاستدامة ويرتكز على التكافل لا الضمانات.