تأتي العطلة الصيفية في ظاهرها وقتاً للراحة، وفي حقيقتها فرصة ذهبية لصناعة شخصية الأبناء، فمن عرف قيمة الفراغ أحسن تحويله إلى تجربة، ومن أحسن إدارة الإجازة منح أبناءه ما يبقى معهم طويلاً بعد انتهاء الصيف.

أتذكر جيلاً كانت الإجازة عنده امتداداً للتربية، فكان الطفل يخرج من البيت إلى السوق، إلى الدكان، إلى الورشة، إلى البحر، فيتعلم من الناس قبل الكتب، وقد عشت شيئاً من ذلك حين حرص والدي حفظه الله على أن أذهب في الصيف إلى دكان «الماعين» الخاص بعمي عبدالحميد الخاجة أطال الله في عمره، وهناك وسط حركة السوق وروائح البضائع وأصوات الزبائن، تعلمت ما تعجز عنه كثير من الدروس النظرية وما لا تقدمه كبار المؤسسات الأكاديمية.

في ذلك الدكان تعلّمت كيف أستقبل الناس، كيف أقرأ مزاج الزبون، كيف أفهم حاجته من سؤاله، وكيف أبيع من غير ضغط، وأقنع من غير مبالغة، كذلك تعلّمت قيمة الكلمة، ودقة الحساب، واحترام الوقت، وفن الإصغاء، وذكاء التصرف حين يختلف الناس في السعر أو الذوق أو القرار، فكان السوق مدرسة مفتوحة، وكان الاحتكاك اليومي بالناس يصقل الشخصية بهدوء، ويمنح الطفل ثقة مبكرة بنفسه وبقدرته على التعامل مع الحياة.

اليوم تغيّرت الصورة، فبعض أولياء الأمور يرون العطلة مساحة كاملة للنوم والراحة، كأن التعب الدراسي يحتاج صيفاً كاملاً من الانقطاع عن كل تجربة مفيدة، وآخرون يمنحون أبناءهم حرية واسعة في اختيار يومهم، فتأخذ الشاشات معظم الوقت، ويتحول الصيف إلى ساعات طويلة بين الهاتف والألعاب والمقاطع السريعة، وهنا تضيع فرصة ثمينة؛ فالراحة مطلوبة، والمتعة مطلوبة، غير أن النمو يحتاج تجربة حقيقية، وحركة خارج الغرفة، واحتكاكاً بالعالم.

ومن أجمل البدائل اليوم التطوع، فيستطيع الشاب أو الفتاة أن يدخل بيئة جديدة، يلتقي فرق عمل مختلفة، يتعلم الالتزام، يكتسب مهارة التواصل، يفهم معنى المسؤولية، ويرى أثر جهده في المجتمع، والتطوع يعلّم الابن أن القيمة تأتي أحياناً من العطاء قبل المقابل، وأن الخبرة الأولى قد تفتح باباً لمستقبل أوسع.

وتثير فكرة التطوع المجاني قلق بعض أولياء الأمور، إذ يخشون استغلال أبنائهم أو تحميلهم أعمالاً فوق طاقتهم، وهذا القلق مفهوم حين يغيب التنظيم الواضح، ويصبح أقل حضوراً حين تكون الجهة معروفة، والمهام محددة، والوقت مناسباً، والإشراف حاضراً، ولذلك المطلوب أن نرافق أبناءنا في اختيار التجربة الجيدة، وأن نسأل عن طبيعة العمل، ثم نمنحهم المساحة التي تكبر بها شخصياتهم.

ومن أمثلة مسارات التطوع المضمونة تلك التي ترعاها الدولة وتعمل تحت مظلتها الواضحة، مثل مدينة الشباب، والمؤسسة الملكية للأعمال الإنسانية، والمراكز الشبابية التابعة لوزارة شؤون الشباب، وهذه الجهات تمنح ولي الأمر قدراً أكبر من الاطمئنان، لأنها توفر بيئة منظمة، وبرامج محددة، وإشرافاً معروفاً، وتحوّل وقت الإجازة إلى تجربة آمنة يتعلم فيها الأبناء معنى الالتزام وخدمة المجتمع.

وتزداد أهمية هذه التجارب عند الأبناء الذين يدرسون في مدارس خاصة، حيث تبقى دوائرهم الاجتماعية محدودة غالباً بالأصدقاء أنفسهم والبيئات نفسها، فيحتاج الطفل في الصيف إلى الخروج من هذه الدائرة المغلقة، إلى الاحتكاك بأبناء مناطق مختلفة، ولهجات مختلفة، وتجارب مختلفة، في مراكز التحفيظ، والأنشطة الصيفية، والمراكز الشبابية، وأكاديميات كرة القدم، يتعلم الابن معنى الفريق، والانضباط، واحترام الفروق بين الناس، ويكتشف أن الحياة أوسع من محيط المدرسة والبيت.

هنا تصبح العطلة الصيفية أكثر من راحة عابرة؛ تصبح تدريباً عملياً على الحياة، فالطفل الذي يبيع في دكان، أو يتطوع في مركز، أو يلعب ضمن فريق، أو يشارك في نشاط صيفي، يعود إلى بيته بشخصية أوسع، ولسان أجرأ، وقدرة أفضل على فهم الناس، وهذه هي الهدية الحقيقية التي يمكن أن نقدمها لأبنائنا في الصيف، أن نفتح لهم باب العالم، ونترك التجربة تهذبهم وتصنع فيهم ما تعجز عنه الشاشات والغرف المغلقة.