فتحت الكثير من كبرى الشركات والمؤسسات في قطاعات البنوك، والطاقة، والتأمين، والتطوير العقاري، والاتصالات وغيرها، أبوابها لاستقبال دفعات جديدة من الخريجين الجدد، وأرى أن كثيراً من تلك الشركات تجاوزت المفهوم التقليدي لـ«المسؤولية الاجتماعية» الذي كان يتعامل مع تدريب الخريجين كنوع من العمل الخيري أو الواجب الأدبي تجاه المجتمع، وتحولت هذه البرامج إلى قنوات استثمارية مدروسة بعناية لجذب الكفاءات وتوظيفها وترقيتها، بل وبناء الصف الثاني من القادة.

في الواقع تمتلك العديد من الشركات البحرينية الرائدة حالياً برامج تدريبية متطورة للغاية، تشمل مسارات متقدمة تصل إلى حد الابتعاث الخارجي، والاحتكاك بمدارس عمل وإدارة دولية.

الهدف الحقيقي والنهائي لهذه المنظومة هو رصد المواهب مبكراً؛ إذ تُشكل هذه البرامج الفلتر الأهم والآلية الأسرع لفتح أبواب التوظيف المباشر والدائم أمام الخريجين المتميزين الذين يثبتون جدارتهم خلال فترة التدريب.

هذا الواقع الجديد يضع «الكرة في ملعب الخريجين أنفسهم»، وأكاد أقول إن المعضلة الأساسية اليوم لم تعد تكمن في شح الفرص الوظيفية أو غيابها، فسوق العمل اليوم يبحث عن «الالتزام المهني»، والانضباط الشخصي، والقدرة على التكيف مع ضغوط العمل، والرغبة الحقيقية في التعلم المستمر.

إن صياغة بداية مهنية ذكية وناجحة تتطلب من الخريج المعاصر التخلي تماماً عن العقلية والمستهدفات المادية الضيقة في عامه الأول أو الثاني من التخرج. الاستثمار الحقيقي في هذه المرحلة الحرجة يجب أن يتركز بالكامل على بناء «القيمة السوقية الذاتية»، حتى وإن كان العمل براتب رمزي ضئيل أو حتى بدون مقابل في بعض الأحيان.

يجب أن يكون الهدف الأسمى والوحيد للخريج خلال أول سنتين هو صقل مهاراته، وتوسيع شبكة علاقاته، وفهم آليات السوق، ليتحول بعد هذه الفترة الوجيزة إلى «رقم صعب» في مجاله وتخصصه؛ شخص تتسابق الشركات والمؤسسات لاستقطابه، وتقدم له العروض المتميزة، ليكون هو في نهاية المطاف صاحب القرار في اختيار الوجهة التي تناسب طموحه.

بالمقابل يقع على عاتق الشركات والمؤسسات البحرينية التزام موازٍ وجوهري لضمان نجاح هذه المنظومة المتكاملة. التدريب لا ينبغي تحت أي ظرف من الظروف أن يكون مجرد استهلاك لطاقات شابّة مؤقتة، أو وسيلة لسد فراغ إداري بتكلفة منخفضة.

يجب صياغة وتأمين «مسارات مهنية واضحة ومحددة المعالم» أمام المتدربين تدفعهم لتقديم أقصى ما يملكون من إبداع والتزام.

إن بناء اقتصاد وطني قوي ومستدام قائم على الكفاءة هو جهد تشاركي متكامل؛ تبدأ فيه الشركات الواعية بتوفير البيئة الحاضنة والمسار المهني الواضح، ويصنع فيه الخريج الجاد والذكي فارق مهاراته بالصبر، والالتزام، والاستثمار في ذاته أولاً، ليتحول من باحث عن فرصة عمل إلى قائد حقيقي يقود قطاع الأعمال في المستقبل.