في إحدى المناسبات العائلية، وبينما كنا نتبادل أطراف الحديث والمزاح مع مجموعة من أطفال العائلة، وجه أحدهم تحدياً بسيطاً لطفل في العاشرة من عمره طالباً منه سرد حروف الهجاء العربية. المفاجأة لم تكن في تردد الطفل، بل في إجابته الواثقة بأنه يفضل سرد الحروف الإنجليزية. ومع إصرارنا، حاول الطفل عدة مرات، لكنه تعثر وفشل في تجاوز حروف الجيم والحاء والخاء. انتقل التحدي سريعاً إلى طفل آخر يبلغ من العمر ثلاثة عشر عاماً، ليفشل هو الآخر، ثم يصر على مواصلة التحدي وكسب الجائزة بشرط واحد وهو أن يردد الأبجدية الإنجليزية.
هذا الموقف البسيط استوقفني طويلاً، وجعلني أتساءل في قرارة نفسي عما إذا كانت هذه مجرد حالة فردية، أم أن هناك نسبة مخيفة من أطفال المدارس لا يحفظون أبجدية لغتهم الأم. لتأتي الصدمة الكبرى حين اكتشفت أن أغلب الأطفال من حولنا في ذلك التجمع لم يستطيعوا تذكر ترتيب الحروف العربية.
ولكي نكون أكثر واقعية وإنصافاً في قراءة هذا المشهد، فإن إلقاء اللوم بالكامل على المدارس، أو على أولياء الأمور هو تسطيح للمشكلة. نحن أمام جيل مختلف تماماً بطبيعته وتكوينه، جيل يتعرض يومياً لكم هائل وسيل جارف من المعلومات والثقافات التي لا يُشترط بالضرورة أن تكون مفيدة أو صحيحة. لقد أصبح النمط المعيشي لأغلب الأطفال من مختلف الطبقات الاجتماعية متشابهاً إلى حد التطابق، فهم يعيشون تفاصيل يومهم في عالم افتراضي مفتوح، وتتصدر فيه شخصيات ومشاهير منصات التواصل كأبطال ونماذج يُحتذى بها.
هذا الانغماس الكامل في العوالم الافتراضية نقل أبناءنا إلى مستوى إدراكي مختلف تماماً، وجعل من الصعب عليهم استيعاب أو تقبل الأساليب والطرق التي نشأت عليها الأجيال السابقة. ففي السابق كان غرام الأطفال يقتصر على متابعة برامج مثل افتح يا سمسم وبرنامج المناهل، اللذين قدما إضافة كبيرة لثقافة جيل كامل حفظ اللغة والقواعد والأرقام بأسلوب ترفيهي غنائي وفني. إن نوعية المخرجات التعليمية والتربوية التي وُضعت في الماضي، ورغم نجاحها المبهر في وقتها، لم تعد تتناسب مع طريقة تفكير جيل يستقي لغته وأفكاره من مقاطع الفيديو القصيرة والألعاب التفاعلية السريعة.
ومن هنا تبرز الحاجة الماسة اليوم إلى تطوير أساليب التعليم ونوعية المعلومات والمهارات التي نود إيصالها إلى الطفل. نحن لم نعد نعيش في ذلك المجتمع الصغير المكتفي بنفسه والمنعزل عن محيطه، بل أصبحنا جزءاً من عالم واسع تعرض بقوة لرياح العولمة، وتُسلط عليه يومياً مختلف المؤثرات الثقافية والمعرفية المتسارعة.
ولعل السؤال الذي يغيب عن أذهاننا هو الأهم، لماذا خرجت العربية أصلاً من دائرة اهتمام الطفل. الحقيقة أنه لا يهملها عن قصد، بل لأنها غابت عن المكان الذي يعيش فيه فعلياً. فالألعاب التي يعشقها، والمشاهير الذين يتابعهم، والمقاطع التي يشاهدها، والواجهات التي يتنقل بينها، كلها تصله بلغة أخرى. واللغة التي لا يراها حاضرة في عالمه المحبب يشعر بأنها خارج الحياة، مجرد مادة مدرسية جافة لا صلة لها بمتعته وفضوله. إن العربية لم تُهزم لأنها أضعف أو أقل قدرة، بل لأنها ببساطة غابت عن ساحة المنافسة التي يقضي فيها الطفل معظم وقته.
وهذا الانفتاح الحتمي لا يعني بأي حال من الأحوال أن ننسلخ من ثقافتنا وديننا وعاداتنا الأصيلة، بل يفرض علينا تحدياً من نوع آخر، وهو كيف ننقل هذه الهوية ونقدمها بأساليب وطرق حديثة يستطيع هذا الجيل فهمها ومتابعتها والتفاعل معها، سواء داخل أسوار المدرسة أو خارجها.
إن إنقاذ الأبجدية لا يبدأ من المحتوى، بل من فهم كيف يتلقى هذا الجيل المعرفة أصلاً، وما الذي يشد انتباهه، وكيف يفكر، وأي المنافذ تصل إلى عقله. فحين نعرف مداخل هذا العقل الجديد، نستطيع أن نصوغ له قالباً بلغته لا بلغتنا، يحمل هويتنا بأدواته هو. المعركة إذن معركة فهمٍ قبل أن تكون معركة محتوى.