تتعمد إيران أن يصل صوت صواريخها إلى الناس قبل وصولها إلى أهدافها، فالترويع جزء أصيل من هذه الاعتداءات، وصفارات الإنذار مقصودة في أثرها النفسي، واستهداف المنشآت الحيوية يحمل رسالة تريد إرباك المجتمع وتعطيل يومه، ولهذا تستحق الهجمات الإيرانية على البحرين ودول الخليج العربي إدانة واضحة، فهي عدوان على دول ذات سيادة، وتهديد مباشر لأمن المدنيين وحياتهم، وقد أدان مجلس الوزراء هذه الاعتداءات الآثمة، مؤكداً مخالفتها القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وقرار مجلس الأمن رقم 2817 لسنة 2026.

الخلاف الإيراني مع واشنطن شأن قائم بين طرفيه، واستهداف البحرين ودول الخليج العربي عدوان مستقل تتحمل طهران مسؤوليته كاملة، فالمواطن الذي يسمع دوي الاعتراضات فوق منزله طرف تعرض للاعتداء، والمقيم الذي يتوقف للحظات امتثالاً لإرشادات السلامة يعيش تهديداً فرضه النظام الإيراني على أرض آمنة.

ورغم ذلك، واصلت البحرين يومها، تعامل الناس مع التعليمات بهدوء، وتابعوا الأخبار من مصادرها الرسمية، ثم عادوا إلى أعمالهم وفق التوجيهات الصادرة، واستمرت مؤسسات الدولة في أداء واجباتها تحت الهجمات، وهذه صورة تحمل معنى أكبر من انتظام الدوام، لأنها تكشف قوة العلاقة بين المجتمع والدولة في وقت الأزمة.

أرادت إيران أن تشغل البحرينيين بالخوف، فشغلهم وعيهم بكيفية حماية أنفسهم ومساندة الجهات المختصة، ووجدت أجهزة الدولة مجتمعًا متعاونًا يعرف قيمة التعليمات الرسمية، ويدرك أن استمرار العمل يحفظ مصالح الناس ويعزز قدرة الوطن على تجاوز الخطر.

يأخذ المشهد بُعداً أخطر، فالكثير من المحللين السياسيين والأجهزة الاستخباراتية يتحدثون حول احتمال انزلاق المنطقة إلى «حرب أبدية»، فقد أشار علي واعظ إلى أن مذكرة التفاهم التي وقعت في إسلام آباد خلال الشهر الماضي حملت منذ البداية قراءات متعارضة، وتعاملت واشنطن وطهران معها بوصفها وسيلة لترتيب شروط المواجهة المقبلة، ثم تحول الغموض المرتبط بفتح مضيق هرمز إلى نقطة أعادت الحرب من جديد.

وهنا تكمن خطورة ما حدث، فالمذكرة التي جاءت لإيقاف الحرب أصبحت سببًا لاستئنافها، والفترة التي كان يفترض أن تمهد لتسوية تحولت إلى استراحة قصيرة سبقت جولة أشد، ثم عاد النظام الإيراني إلى استهداف السفن ودول الخليج العربي دون استهداف البارجات الأمريكية التي في مرمى أعينهم، وأعلنت طهران تراجعها عن تعهداتها المتعلقة بالملاحة، لتدخل المنطقة دورة جديدة من الضربات والردود.

تبدو عبارة «الحرب الأبدية» دقيقة في وصف نزاع يملك كل طرف فيه قدرة على إطالة المواجهة، فيما تدفع دول الخليج العربي ثمن صراع يدور فوق أراضيها وقرب مياهها، وتتحمل شعوبها آثار قرارات اتخذت بعيدًا عنها، وقد قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب صباح الجمعة إن بلاده تحقق انتصارًا كبيرًا في إيران، وإن نتائج ذلك ستظهر قريبًا، غير أن المعيار الذي يهم الخليج العربي يبدأ بوقف الصواريخ الإيرانية وتأمين الملاحة في مضيق هرمز.

ومن هنا جاء توجيه مجلس الوزراء إلى مسؤولية المجتمع الدولي، فالقانون الذي يعجز عن حماية دولة عضو في الأمم المتحدة من الصواريخ يفقد هيبته، والقرار الدولي الذي يبقى من دون تنفيذ يمنح المعتدي وقتاً إضافياً، كما أن تهديد مضيق هرمز يضع مصالح العالم أمام اختبار مباشر، لأن أمن هذا الممر يرتبط بحركة التجارة واستقرار الاقتصاد العالمي.

لذا تحتاج الإدانة الدولية اليوم إلى موقف يوقف الاعتداءات الإيرانية، ويضمن مرور السفن بأمان، فالدول التي تعتمد على الخليج العربي في تجارتها وطاقة مصانعها معنية بحمايته، واستمرار الصمت يفتح المجال لحرب طويلة تنتقل بين البحر والسماء، وتعود بعد كل مذكرة بصيغة أشد خطراً.

أما البحرين، فقد أكدت حقها المشروع في الدفاع عن سيادتها وسلامة أراضيها، وأثبت شعبها خلال هذه الأيام أن عزيمة المملكة عصية على الترويع، فالدولة واصلت عملها، والمجتمع وقف معها، وساندت قرارات دولتها، وتحولت محاولة نشر الخوف إلى مشهد جديد من الوعي والتماسك.

قد تستطيع إيران إطلاق صواريخها نحو البحرين، ويبقى قرار استمرار الحياة بيد أهل البحرين.