تكتسب مقابلة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ مع قناة «العربية» الناطقة بالإنجليزية أهمية تتجاوز مضمونها الإعلامي المباشر. فعلى الرغم من الطابع الدستوري وغير التنفيذي لمنصب الرئاسة في إسرائيل، إلا أن الظهور عبر منصة إعلامية عربية يعكس إدراكاً متنامياً بأن مستقبل العلاقات الإسرائيلية مع محيطها الإقليمي لم يعد مرتبطاً بنتائج الحرب الدائرة الآن في المنطقة بمعزل عن المسار الفلسطيني أو بالتحولات التي أفرزتها الحرب في غزة وواقع الحال في الضفة الغربية.

وفي هذا السياق، قد لا يكون التغيير المحتمل في القيادة السياسية الإسرائيلية كافياً، في حد ذاته، لإحداث تحول جوهري في السياسات القائمة. فالتوجهات التي ارتبطت بسنوات حكم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وفي مقدمتها أولوية الاعتبارات الأمنية، وإدارة الصراع، وتطوير التعاون الإقليمي على أساس المصالح المشتركة فقط. فذلك لا يمثل منظور آحادي فقط، بل يعكس أيضاً توازنات راسخة داخل المجتمع والمؤسسات السياسية والأمنية الإسرائيلية.

وحتى مع ما انتجته التطورات الإقليمية الأخيرة، إلا أنه من الصعوبة بمكان تطوير مفهوم إقليمي شامل دون معالجة أكثر جدية للقضية الفلسطينية. فقد أعادت الحرب في غزة هذه القضية إلى صدارة الاهتمام العربي والدولي، وأكدت أن الأمن المستدام لا يمكن أن يقوم على ترتيبات أمنية فقط،، كما أن التعاون الاقتصادي والدبلوماسي البيني إقليميا يحتاج إلى بيئة سياسية أكثر استقراراً ووضوحاً.

وتبقى غزة في قلب هذه المعادلة. فاستمرار الوضع القائم يحمل كلفة إنسانية وأمنية وسياسية متزايدة، بينما يثير الانسحاب غير المنظم مخاوف مشروعة من فراغ إداري وأمني قد يقود إلى تجدد المواجهة. ولذلك، تتطلب مرحلة ما بات يعُرف «باليوم التالي» على ترتيبات متكاملة تشمل إدارة مدنية فلسطينية قادرة وذات شرعية، وضمانات أمنية متوافقاً عليها إقليمياً، ودوراً عربياً ودولياً فاعلاً في إعادة تأهيل غزة قبل إعمارها، وضمن أفق يربط القطاع بالضفة الغربية.

فالتوسع الاستيطاني والتوتر المرتبط بسلوك المستوطنين يعدان من أبرز التحديات أمام بناء الثقة وتهيئة ظروف تسوية قابلة للاستدامة. إذ إن استمرار التوسع العمراني في المستوطنات، ووقوع اعتداءات على المدنيين الفلسطينيين وممتلكاتهم، يفاقمان الاحتقان ويضعفان فرص الحفاظ على أفق سياسي قابل للتطبيق. كما أن معالجة هذه القضايا تتطلب التزاماً واضحاً بسيادة القانون، وحماية المدنيين، ومنع الإجراءات التي يمكن أن تقوض فرص التفاوض مستقبلاً.

إن أي مقاربة إقليمية واعدة ينبغي ألا تُختزل في التعاون الأمني أو في فرضية إعادة تمويل إعمار غير مشروط في غزة. فالدول المعنية بالاستقرار الإقليمي ستكون أكثر قدرة على المساهمة عندما تقترن أدوارها بضمانات إسرائيلية واضحة، وبمشاركة حقيقية في صياغة ترتيبات ما بعد الحرب وليس في غزة فقط.

قد تفتح مرحلة ما بعد الانتخابات الإسرائيلية افق جديد، وخطاب أكثر مرونة وانخراط أوسع مع شركائها الإقليميين. غير أن المعيار الأهم سيبقى في ترجمة ذلك إلى خطوات عملية تعزز الاستقرار، وتحد من التوتر في الضفة الغربية، وتوفر مساراً سياسياً واقعياً يوازن بين احتياجات الأمن الإسرائيلي والاستحقاقات الفلسطينية.