التاريخ يعيد نفسه، ولو بعد قرون، ليؤكد لنا أن بعض الحقائق لا تتبدل، وأن من يعتدي على المقدسات ويظن أن القوة تحميه من الحساب، قد يجد نفسه يوماً أمام درس لا ينساه.

من أرض اليمن خرج أبرهة، ممنياً نفسه بهدم الكعبة المشرفة، وانتهى أمره وجيشه وأفياله أمام قدرة الله سبحانه وتعالى، في قصة خالدة يتلوها المسلمون إلى يومنا هذا.

ومن أرض اليمن نفسها، نقرأ في القرآن الكريم قصة قوم سبأ، الذين كانت لهم في مساكنهم آية، جنتان عن يمين وشمال، فأعرضوا عن نعم الله، فكان جزاؤهم أن تبدلت النعمة، وتفرق الجمع، وأصبحوا عبرة لمن يعتبر.

واليوم، يعود الحوثي وأتباعه ليكرروا أخطاء التاريخ، وكأنهم لم يتعلموا أن الاعتداء على أمن الدول ومقدسات المسلمين لا يمكن أن يكون طريقاً إلى المجد، ولا وسيلة إلى تحقيق الأهداف.

لقد كشفت محاولة إطلاق مسيّرة باتجاه مكة المكرمة، التي أعلنت المملكة العربية السعودية اعتراضها وتدميرها جنوب مكة قبل دخولها المجال الجوي المحظور للمدينة المقدسة، عن مستوى خطير من الاستهتار بحرمة البلد الحرام ومشاعر المسلمين في مختلف أنحاء العالم.

مكة ليست قضية سياسية عابرة، ولا وجهة نظر تحتمل الاختلاف، فهي قبلة المسلمين، ووجهة الحج والعمرة، وأرض الرسالة ومهبط الوحي. ومن يحاول تهديد أمنها، لا يهدد مدينة فحسب، بل يستفز مشاعر أمة بأكملها، ويعتدي على رمز ديني تتعلق به قلوب المسلمين في كل مكان.

وهنا لا بد من التمييز بين الخلافات السياسية والعسكرية، وبين حرمة المقدسات التي يجب أن تبقى فوق الحسابات والمناورات. فمهما اختلفت المواقف، لا يجوز أن تتحول مكة المكرمة إلى هدف في صراع، ولا أن تصبح المشاعر المقدسة ورقة ضغط أو رسالة تهديد.

والأعجب من ذلك أن تخرج جماعة الحوثي لتنفي استهداف مكة، في الوقت الذي أعلنت فيه المملكة رسمياً اعتراض المسيّرة وتدميرها قبل دخول المجال الجوي المحظور للمدينة المقدسة.

وتناسى الحوثي أننا اليوم نعيش في عصر الأقمار الصناعية، وأنظمة الرصد والمراقبة، والتقنيات القادرة على تتبع مسارات الأجسام الجوية. ولذلك، فإن الحقيقة لا ينبغي أن تبقى رهينة التصريحات المتناقضة، بل يجب أن تخضع للأدلة والتحقيقات والبيانات الرسمية.

فإذا كان الحوثي ينفي أن تكون المسيّرة قد استهدفت مكة، فليقدم ما لديه من أدلة على مسارها الحقيقي ووجهتها، بدلاً من الاكتفاء بالنفي، لأن المسألة لم تعد مجرد رواية إعلامية، بل قضية أمنية ودينية تتعلق بسلامة أقدس بقاع الأرض.

لقد تعرضت المملكة العربية السعودية ومملكة البحرين وجميع دول الخليج العربي الاخرى لهجمات من مناطق متعددة منها إيران والعراق واليمن، ودول العالم أجمع أدانت هذه الهجمات الآثمة، لكن عندما يصل الأمر إلى مكة المكرمة، فإن المسألة تتجاوز حدود الاعتداء على دولة شقيقة، لتصبح قضية تمس مشاعر المسلمين جميعاً. ولذلك، فإن الإدانة والتنديد، رغم أهميتهما، يجب أن يتبعهما موقف دولي حازم يحمي المقدسات، ويمنع تكرار مثل هذه الاعتداءات، ويحاسب من يقف وراءها.

وأعود مرة أخرى إلى التاريخ، لأتوقف عند مدينة خميس مشيط، التي تعرضت لهجمات الحوثيين، وأستحضر ما يرتبط باسمها من روايات تاريخية عن مشيط بن سالم الشهراني، وما يقال عن صلة قبيلة شهران بقبائل خثعم التي واجهت حملة أبرهة.

إن استحضار هذه الذاكرة التاريخية لا يعني أن التاريخ يكرر نفسه حرفياً، لكنه يذكرنا بأن هذه الأرض عرفت رجالاً وقفوا في وجه المعتدين، ودافعوا عن ديارهم وكرامتهم، وأن أمن الخليج العربي ليس أمراً مستحدثاً، بل هو امتداد لتاريخ طويل من حماية الأرض والإنسان والمقدسات.

وفي الختام، فإن أمن المملكة العربية السعودية وأمن دول مجلس التعاون الخليجي كل لا يتجزأ، وأمن الحرمين الشريفين مسؤولية عظيمة تتطلب يقظة مستمرة، وتضامناً خليجياً صادقاً، وموقفاً دولياً واضحاً.

أما الحوثي، ومن يقف خلفه، فعليه أن يدرك أن استهداف المقدسات ليس بطولة، وأن تهديد أمن المسلمين ليس انتصاراً، وأن التاريخ لا يرحم من يكرر أخطاء من سبقوه.

فهل يتعلم أبرهة العصر الحديث من دروس التاريخ، أم يصر على السير في الطريق نفسه؟

* قبطان - رئيس تحرير جريدة «ديلي تربيون» الإنجليزية