رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف لم يوارب كثيراً في كلامه يوم أمس. قال إن إيران عليها أن تحارب بقوة، وأن تتفاوض في الوقت المناسب. وربط العودة إلى المفاوضات وفتح مضيق هرمز بتحقق الشروط الإيرانية.
هذا الكلام أراه شرحاً مباشراً للطريقة التي يفكر بها جناح مؤثر داخل النظام الإيراني اليوم.
الفكرة ببساطة أن الحرب بالنسبة للنظام الإيراني ليست نقيضاً للتفاوض، بل وسيلة لتحسين شروطه. تقاتل حتى ترفع كلفة المواجهة على الطرف الآخر، ثم تنتقل إلى الطاولة عندما تعتقد أن الميدان منحك أوراقاً أفضل. وقاليباف قالها بصورة أوضح حين تحدث عن تحقيق مكاسب ميدانية ثم استخدام الدبلوماسية لتثبيتها.
لا يجب قراءة كلام قاليباف بوصفه تحولاً نحو الاعتدال، ولا باعتباره تراجعاً عن نهج الحرس. قاليباف أصلاً ابن المؤسسة العسكرية، وقائد سابق في الحرس الثوري، لكنه في الوقت نفسه أصبح واحداً من الوجوه التي قبلت بمسار تفاوضي مع الولايات المتحدة. وهذا تحديداً ما يجعله مختلفاً عن جناح أكثر تشدداً داخل النظام، يرى أن أي مرونة مع واشنطن قد تفسر باعتبارها تنازلاً.
نعم، هناك صراع داخل مراكز القرار الإيرانية، لكنه ليس صراعاً بين من يريد النظام ومن يريد إسقاطه، ولا بين مؤمن بالمواجهة وآخر مسالم. الخلاف أدق من ذلك، خلافهم بشأن متى تتوقف الحرب؟! وما الذي يجب تحقيقه قبل ذلك؟! وهل تستخدم القوة للوصول إلى صفقة، أم يستمر التصعيد حتى آخر مدى ممكن؟!
هذه الخلافات مهمة لأنها تعطينا فكرة عن الطريقة التي قد تنتهي بها الحرب.
الأقرب للواقع أن النهاية لن تأتي بصورة استسلام كامل لأي طرف. النظام الإيراني تعرض خلال الأشهر الماضية لضربات قاسية، لكنه ما زال يحتفظ بأوراق يعتقد أنها تمنحه قدرة على المساومة، من مضيق هرمز إلى أذرعه وميليشياته في المنطقة. في المقابل، استمرار الحرب بهذه الوتيرة يحمل كلفة عسكرية واقتصادية وسياسية على الجميع.
وعليه، تبدو التسوية على مراحل هي السيناريو الأكثر قابلية للتحقق، أي بتسلسل وقف العمليات العسكرية، ثم إعادة الملاحة الطبيعية في هرمز، تتزامن مع تفاهمات مرتبطة بالملف النووي والعقوبات، ثم ترتيبات أمنية أوسع تمنع العودة إلى نقطة الانفجار نفسها.
لكن هنا يجب ألا تقع المنطقة في الخطأ نفسه مجدداً؛ إذ لا يجوز أن تنتهي الحرب باتفاق أمريكي إيراني يطوي الصفحة بينهما، بينما يُطلب من دول الخليج أن تنسى ما تعرضت له من اعتداءات طالت أراضيها ومنشآتها ومصالحها، وأن كل هذه الأمور هي أضرار جانبية لصراع أكبر.
حق دولنا هو التمسك بحقوقها كاملة، سياسياً وقانونياً وأمنياً. بالتالي المطلوب ضمانات واضحة بعدم تكرار الاعتداءات، ومعالجة للأضرار، وضبط فعلي للأذرع والميليشيات التي استخدمت طوال السنوات الماضية كوسيلة ضغط وابتزاز، وضمان ألا يتحول مضيق هرمز مرة أخرى إلى ورقة تهديد كلما تعثرت المفاوضات.
قاليباف يقول إن إيران تحارب ثم تتفاوض.
حسناً، حين تبدأ المفاوضات فعلاً، يجب أن يكون واضحاً أن إنهاء الحرب لا يعني فقط وقف النار بين إيران وأمريكا. هناك دولنا التي اعتدي عليها، وهناك منشآت استهدفت، وهناك خطوط حمراء تم تجاوزها. وأي سلام لا يعالج هذه الملفات، لن يكون سلاماً كاملاً، بل مخدراً موضعياً سيزول أثره بسرعة.