التهديد، والكذب، والاعتداء... ثلاث صفات أصبحت، في نظر كثيرين، السمة الأبرز لسلوك النظام الإيراني، سواء في تعامله مع محيطه الإقليمي أو في خطابه السياسي والإعلامي. فمنذ قيام هذا النظام، والمنطقة العربية تعيش على وقع الأزمات التي يصنعها أو يغذيها، حتى باتت سياسة التصعيد إحدى أدواته الدائمة في إدارة علاقاته مع الآخرين.

ولست أطلق هذا الوصف جزافاً، وإنما أستند إلى ما شهدته منطقتنا من أحداث متلاحقة خلال الفترة الأخيرة. فبينما تتعرض دول الخليج العربية لاعتداءات تستهدف أمنها واستقرارها، لا يتوقف الخطاب الإيراني عن إطلاق التهديدات باستهداف منشآت جديدة، في الوقت الذي يواصل فيه الادعاء بأن عملياته تستهدف أهدافاً عسكرية، بينما تكشف الوقائع على الأرض أن المتضرر الأول هو المدنيون والبنية التحتية والخدمات الحيوية.

فما تعرضت له الكويت الشقيقة من اعتداء طال محطة للكهرباء وتحلية المياه لا يمكن وصفه إلا بأنه استهداف لمنشأة مدنية تمس حياة مئات الآلاف من السكان بصورة مباشرة. ومهما حاولت طهران تبرير تلك الأفعال أو تغليفها بمبررات عسكرية، فإن الحقائق الميدانية تظل أبلغ من أي رواية إعلامية.

أما الصفة الثانية فهي الكذب، وهي لا تقتصر على الخطاب الموجه إلى الخارج، بل تمتد إلى الداخل الإيراني نفسه. فالتناقض المستمر بين التصريحات الرسمية والوقائع على الأرض، وبين ما يعلنه السياسيون وما تنفذه المؤسسة العسكرية الإرهابية، يثير تساؤلات متزايدة حول حقيقة القرار داخل إيران، ومن يمتلك سلطة توجيهه فعلياً.

لقد بات واضحاً أن الخطاب السياسي الذي يتحدث عن التهدئة والتفاوض وحسن الجوار، يتناقض مع الممارسات العسكرية التي تواصل إطلاق التهديدات وتوسيع دائرة التصعيد. وهذا التناقض لا يعكس فقط غياب الانسجام بين مؤسسات الدولة، بل يضعف كذلك مصداقية أي تعهدات أو رسائل سياسية تصدر عن طهران.

ويزداد هذا المشهد وضوحاً مع التصريحات التي تتوعد باستهداف البنى التحتية في المنطقة، بالتزامن مع مزاعم عن تنفيذ عمليات عسكرية سرعان ما تنفيها الدول المعنية أو تثبت الوقائع عدم صحتها، الأمر الذي يكرس صورة نظام يعتمد على الحرب النفسية والدعاية بقدر اعتماده على القوة العسكرية.

أما الصفة الثالثة فهي الاعتداء، وهي أخطر هذه الصفات جميعاً، لأنها انتقلت من مرحلة الخطاب إلى مرحلة التنفيذ، عبر استهداف منشآت مدنية، وتهديد الملاحة الدولية، وتوسيع دائرة المخاطر بما يهدد أمن المنطقة واستقرارها، ويقوض فرص الحوار والتسويات السياسية.

لقد أدت هذه السياسات إلى تآكل رصيد إيران السياسي، وإلى خسارة كثير من التعاطف الذي كانت تحظى به لدى بعض الأطراف، بعدما أصبحت لغة القوة والتهديد هي الرسالة الأكثر حضوراً في سلوكها الخارجي.

إن المرحلة التي تمر بها المنطقة اليوم دقيقة وحساسة، وتتطلب أعلى درجات الحكمة وضبط النفس. غير أن استمرار النهج القائم على التهديد والكذب والاعتداء لا يمكن أن يصنع استقراراً، ولا أن يبني علاقات قائمة على الثقة. فالتاريخ يعلمنا أن الأنظمة التي تجعل القوة وسيلتها الوحيدة، وتتجاهل قواعد القانون الدولي وحسن الجوار، تنتهي غالباً إلى عزلة متزايدة، وتدفع في النهاية ثمن السياسات التي اختارتها بنفسها.

ويبقى الأمل أن تنتصر لغة العقل على منطق التصعيد، وأن يسود السلام والاستقرار منطقتنا، لأن الشعوب هي التي تدفع دائمًا الثمن الأكبر للحروب، بينما لا يدوم في النهاية إلا الحق، ولا يصح إلا الصحيح.

* قبطان - رئيس تحرير صحيفة ديلي تريبيون» الإنجليزية