سوسن الشاعر

في لقاء مع أستاذ جامعي، مصوراً وباثاً معاناته ومعاناة الطبقة -التي كانت متوسطة في إيران- وهي الآن نزلت إلى ما دون خط الفقر، اقرؤوا جيداً ما يقوله، لا كتقرير، بل كتحليل دقيق أيضاً، لذلك أنقله مع التوقف عند إشارته الذكية.يقول الأستاذ الإيراني لمقدم البرنامج: «من أجل الدفاع عن المستضعفين، صنعنا مستضعفين».

عبارة تفسر لنا فلسفة النظام الإيراني منذ اليوم الأول لتوليه السلطة، وهي خلق الفئة التي سيستندون عليها، حتى لو لم تكن موجودة، كي تبرر وجوده هو.

نظام يستمد وجوده من وجود فئات المستضعفين، فإن لم يجدهم صنعهم. النظام الإيراني فعلاً أضعف الإيرانيين، وأنهكهم، ثم قال لهم: هو موجود من أجل المستضعفين.

ثم يستكمل الأستاذ الإيراني إجابته:«ومن أجل محاربة الظالمين، نمارس الظلم!».من بعد أن أضعف الشعب الإيراني، وأنهكه، وظلمه، ولم ينصفه، وقضى على العدالة، فرسّخ الظلم في بلده، وقال لشعبه: أنا هنا من أجل محاربة الظالمين.

ولم يكتفِ بشعبه، بل دخل لكتائب عصائب الحق، والفاطميين، وحزبه اللبناني، إلى شعوب أخرى غير إيرانية، وأضعفهم وأنهكهم، وظلمهم، ثم وقف معلناً نفسه ناصراً للمستضعفين ومحارباً للظالمين!

ثم يُكمل الأستاذ الإيراني:«ومن أجل محاربة أمريكا، أصبحنا نشبه أمريكا! لقد وقعنا في فخ اللعبة الأمريكية».

النظام الإيراني يصنع أعداءه، ثم يعلن محاربتهم. هكذا ينظر ويرى الأستاذ الجامعي النظام السياسي في بلده، ثم يكمل مخاطباً المذيع، وهو في قناة إيرانية، ويخاطب المذيع على أنه يمثل السلطة الإيرانية:«هل تعتقدون أنكم جميعاً «حزب الله»، وأننا جميعاً «حزب الشيطان»؟!» (جميعاً يقصد الشعب الإيراني). لا يا عزيزي، نحن أيضاً نعيش في هذا البلد، وقد طفح الكيل بالشعب!

يرى الأستاذ الجامعي النظام الإيراني منفصلاً عن واقع الشعب الإيراني، وإيران مقسّمة؛ النظام في ضفة، وهذه الطبقة المتوسطة المتعلمة المثقفة في ضفة أخرى.ثم يُكمل:«نعم، لقد صنعتم أشخاصاً متعلمين، لكنكم صنعتم أيضاً طفلاً عندما يُسأل عن أمنيته، يجيب: «ما هي الأمنية؟!!!»».قوية هذه العبارة، وتفصح عن حجم المعاناة والألم لدى هذه الطبقة، فأطفالهم ليسوا بعيدين عن تحقيق أمنياتهم فحسب، بل هم لا يعرفون معنى كلمة «أمنية».

ثم يُكمل مخاطباً السلطة من خلال قناتهم:«ألا تسمعون صوت الشعب؟ راتبي يبلغ 26 مليون تومان، أي كم دولار يا سيد صفار؟ (صفار هو المذيع الذي يجري المقابلة). راتبي يعادل 400 دولار فقط. كيف أعيش؟ بصفتي أستاذاً جامعياً، لا أتذكر أنني اشتريت ملابس لنفسي منذ 5 سنوات! عن أي حياة تتحدثون؟! هذا وأنا أمتلك راتباً ثابتاً، وأعمل أستاذاً جامعياً، وحاصل على الدكتوراه منذ 20 عاماً». ثم تساءل:

«... ألا تعني كلمة «المنزل» في مفهوم الأسرة لكم شيئاً، يا سيد صفار؟ مَن يستطيع شراء منزل الآن؟! ألم تصل مدة انتظار شراء منزل، وفقاً لحسابات الاقتصاديين المحليين لديكم، إلى 200 عام (!!!).

يجب على المرء أن يعيش 200 عام، ويدخر راتبه ليتمكن من شراء منزل!أليس تعريف الأسرة هو أن يمتلك الزوج والزوجة مصدر عمل مشتركاً يعيشان من خلاله؟ ما هو معدل البطالة في هذا المجتمع؟ وما هو معدل عمالة النساء في هذا المجتمع؟ 12% فقط! كم يبلغ معدل البطالة؟ 80% من المتعلمين في هذا البلد، من حملة الماجستير فما فوق، عاطلون عن العمل!».

شرح الأستاذ الجامعي وضع وحالة الطبقة المتعلمة بالأرقام والإحصائيات، وعرض نتائج وثمار سياسة هذا النظام والسلطة الإيرانية على الإيرانيين: فقر وضياع، وهدر سنوات من التعليم والكفاح، وانعدام الرؤية والأمل في المستقبل؛ بسبب سياسة نظام سخّر كل موارد الدولة من أجل أن يعلن نفسه حامي المستضعفين ومحارباً للظلم، ويا ليته فلح في أهدافه، فهو لم يكن كما أعلن، وبالمقابل دفع شعبه للجوع والبطالة والفقر.

ثم يُكمل الأستاذ أسئلته الجوهرية للسلطة:«فهل تتحدثون عن المقاومة في ظل هذا الوضع؟ نعم... الظلم موجود في العالم، لكن هل أنا المسؤول عن ظلم هذا العالم ونواقصه؟ هل أنا المسؤول عن النظام الدولي؟ كيف يعبّر هذا المجتمع عن رغبته في الحياة؟ والحياة في هذا الوضع ميتة».

وهنا تبلغ المعاناة ذروتها عند هذا الدكتور الإيراني. عبارة مؤلمة حقاً؛ إذ إن الحياة عند الإيراني ميتة. إنه حي، لكنه لا يعيش!

ثم يُكمل:«لقد قلت مراراً بلسان «أدورنو»: الحياة ليست حية، الحياة ليست حية! لم يعد هناك شيء حي في هذا المجتمع! كيف يقول هؤلاء الناس إنه يجب عليهم العيش قبل كل شيء؟ حقاً، أين هي الحدود؟ وإلى متى ستستمر الضغوط على هذا المجتمع؟! كيف يجب أن يقول لكم هذا المجتمع: يا سادة، أنا لا أريد إطلاقاً السير وراء هذه الأفكار والأوهام التي يتبناها النظام؟ ما شأني بما يحدث في العالم؟ يجب أن أعيش قبل كل ذلك».انتهى اللقاء.عبّر هذا الأستاذ الجامعي عما آل إليه حلم الطاووس الفارسي، حين صنع هذا الطاووس أعداءه الذين ينوي محاربتهم، ثم قال لأتباعه: هلمّوا معي، حاربوا ما صنعته، يعرف معنى الآية: «الله يستهزئ بهم ويمدّهم في طغيانهم يعمهون».