ينبغي قراءة التهديد الحوثي بإغلاق باب المندب خارج إطار الاستجابة الظرفية أو الخطاب التصعيدي المعتاد. فالتهديد، في جوهره، ينطوي على محاولة لبناء مكافئ وظيفي للموقع الذي يحتله مضيق هرمز في الاستراتيجية الإيرانية.
وليس المقصود بالمكافئ تماثلاً بين قدرات دولة كإيران وبين قدرات جماعة مسلحة، بل محاكاة الوظيفة السياسية للمضيق، أي تحويل القدرة على إرباك ممر مائي دولي إلى مصدر للردع، ورافعة تفاوض، وأداة لفرض الاعتراف بمكانة وطنية وإقليمية.
يحضر مضيق هرمز في المعادلة الإيرانية من قدرتها على تعظيم استدامة المخاطر في حسابات أسواق الطاقة والتجارة والقوى الكبرى، أكثر مما تقوم على فرضية إغلاقه الكامل. فالإغلاق خيار مرتفع الكلفة على إيران والإقليم، لكن القدرة على التهديد المحدود أو التعطيل الانتقائي تكفي لرفع كلف التأمين والشحن، واستدعاء للتدخل الدبلوماسي والعسكري، وتوسيع هامش المناورة السياسية.
وفي باب المندب، يسعى الحوثي إلى إعادة إنتاج هذه المعادلة بأدوات غير متماثلة، لا بهدف السيطرة المادية الكاملة على المضيق، بل بهدف التحكم في «إدراك المخاطر» المرتبط بالعبور فيه.
وتتضح أهمية هذا السلوك عند وضعه ضمن فرضية تحييد، كلي أو جزئي، لمظلة الدعم الإيراني السياسية والعسكرية. ففي حال انحسار قدرة طهران على الإسناد، سواء بفعل ضغوط خارجية أو تفاهمات إقليمية أو تحولات داخلية، ستواجه الجماعة مشكلة مركبة؛ أي تراجع موارد القوة، واهتزاز الغطاء السياسي، وتقلص قدرتها على تحويل السيطرة العسكرية إلى نفوذ تفاوضي مستدام.
لذلك يصبح البحر الأحمر، في الحساب الحوثي، مجالاً للتحوط الاستراتيجي؛ أي محاولة إنتاج ورقة نفوذ ذاتي نسبياً، تسمح للجماعة بالبقاء لاعباً ضرورياً حتى لو ضعفت قيمة الارتباط الخارجي الذي عزز صعودها.
غير أن هذا التحوط يحمل تناقضاً بنيوياً. فمن جهة، تقوم فرضية الحوثي أن التصعيد يمنحهم قدرة على تجاوز الإطار اليمني الضيق وتدويل حضورهم. ومن جهة أخرى، قد يدفعهم إلى مزيد من العزلة السياسية، لأن الفاعل الذي يبني مكانته على تهديد الأمن الإقليمي أو الدولي لن يكتسب بالضرورة شرعية سياسية، بل يتحول إلى موضوع أمني يفرض ضرورة احتوائه.
وعليه، فإن مستقبل الحوثيين في المعادلة اليمنية لن يتحدد بقدرتهم على إنتاج التهديد فقط، بل بقدرتهم على التحول من قوة تعطيل إلى طرف يمكن إدماجه ضمن عملية إنتاج الدولة.
في هذا السياق تبرز القيمة الاستراتيجية للموقف السعودي المعلن بتوفير الحماية والتفويج للسفن السعودية العابرة لباب المندب في الاتجاهين. فهذا القرار لا يمثل إجراءً دفاعياً لحماية التجارة الوطنية فحسب، بل يتضمن رداً سياسياً مباشراً على منطق «هرمزة باب المندب».
فهو ينزع عن التهديد أهم عوائده السياسية المتوقعة؛ أي تعطيل العبور، وفرض علاوة مخاطرة، وإظهار الجماعة بوصفها قوة قادرة على صياغة قاعدة ردع.
وتتجاوز انعكاسات القرار السعودي المجال البحري المباشر.
فهو يعيد تثبيت مبدأ أن أمن الممرات الحيوية لا يمكن أن تخضع لابتزاز، ويعزز موقع المملكة بوصفها منتجاً للأمن الإقليمي لا مجرد متلقٍ لآثاره.
كما يرسم حداً فاصلاً بين الحق في حماية المصالح السيادية وبين محاولة تحويل الجغرافيا إلى أداة تفاوضية تمس بمفهوم السيادة.
وذلك، هي الترجمة العملياتية للإرادة السياسية الرادعة، وإبطال مشروع تحويل باب المندب إلى ورقة تسليع سياسي للحوثي على حساب الأمن الإقليمي.