في الجزء الأول تناولنا كيف انتقل المشروع الإيراني من مرحلة التوسع وبناء النفوذ إلى مرحلة أكثر تعقيداً عنوانها الحفاظ على المكتسبات ومنع التراجع. كما أشرنا إلى أن الضغوط التي تواجهها أدوات النفوذ الإيرانية في عدد من الساحات الإقليمية دفعت طهران إلى البحث عن مسارات جديدة لإدارة أزماتها وتخفيف كلفة التحديات المتراكمة عليها.

وفي هذا السياق، يمكن فهم جانب مهم من السلوك الإيراني خلال العقود الماضية، وهو اللجوء المتكرر إلى توسيع دائرة التوتر وربط أمن المنطقة ومصالح العالم بالأزمات التي تواجهها طهران.

فمنذ الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، برزت الممرات البحرية كإحدى أهم أوراق الضغط الإيرانية. وخلال ما عُرف بـ«حرب الناقلات» التي تصاعدت منذ عام 1984، تعرضت عشرات السفن التجارية وناقلات النفط للاستهداف في مياه الخليج العربي، في محاولة للتأثير على حركة التجارة والطاقة وإيصال رسالة مفادها أن أي تهديد لإيران يجب أن تتحمل المنطقة والعالم جزءاً من كلفته.

ولم تتوقف هذه السياسة بانتهاء الحرب. فعلى مدى العقود اللاحقة عاد التهديد بإغلاق مضيق هرمز في أكثر من مناسبة، خصوصاً خلال الأعوام 2011 و2012 و2018 و2019. كما شهد عام 2019 حوادث استهدفت ناقلات نفط قرب سواحل الفجيرة، إضافة إلى احتجاز الناقلة البريطانية «ستينا إمبيرو»، في مشاهد أعادت إلى الأذهان سياسة استخدام الممرات البحرية وأمن الطاقة كأوراق ضغط سياسية وأمنية.

لكن الأخطر من ذلك يتمثل في محاولات توسيع نطاق الصراع ليشمل دول الخليج العربي. فبدلاً من حصر الأزمات في أطرافها المباشرة، برزت محاولات متكررة لزج دول المنطقة في مواجهات لا تمثل طرفاً فيها، وكأن المطلوب تحويل الخليج من منطقة استقرار وتنمية إلى ساحة إضافية للصراع.

هذا السلوك لا يعكس ثقة بقدر ما يعكس مأزقاً استراتيجياً. فالدول التي تمتلك مشروعاً مستقراً وقادراً على الاستمرار تعمل على احتواء الأزمات، بينما تلجأ المشاريع المأزومة إلى توسيع نطاق التوتر أملاً في إعادة خلط الأوراق أو تأجيل استحقاقات الفشل.

كما أن الرهان على خلق حالة من الانقسام داخل المجتمعات الخليجية لم يعد يحقق النتائج التي كان يُعوَّل عليها سابقاً. فالمنطقة شهدت خلال السنوات الماضية تطوراً ملحوظاً في الوعي الوطني، وتعزيزاً لمفهوم الدولة، وتقدماً في مستويات التنسيق الأمني والسياسي بين دولها. وهو ما جعل محاولات الاستثمار في الانقسامات أو استغلال الأزمات أقل تأثيراً وأكثر كلفة.

وفي المقابل، دفعت التهديدات المتكررة دول الخليج إلى تعزيز قدراتها الدفاعية، وتوسيع مجالات التعاون الأمني والعسكري، ورفع مستوى التنسيق السياسي في مواجهة المخاطر المشتركة. وبدلاً من أن تؤدي هذه التهديدات إلى إضعاف المنطقة، ساهمت في كثير من الأحيان في تعزيز تماسكها وزيادة وعيها بطبيعة التحديات التي تواجهها.حجر الزاوية

تكشف التطورات المتلاحقة أن جوهر الأزمة لا يكمن في قوة المشروع الإيراني، بل في التحديات التي بات يواجهها. فكلما تراجعت فعالية أدوات النفوذ، ازداد الميل إلى توسيع دوائر التوتر ورفع مستوى المخاطر الإقليمية.غير أن التجارب أثبتت أن استهداف أمن الخليج، أو تهديد الممرات البحرية، أو محاولة نقل الصراعات إلى دول المنطقة، لم ينجح في تغيير الحقائق الاستراتيجية بقدر ما كشف حدود هذه السياسات وأزماتها.

فالدول تبني نفوذها الحقيقي بالاستقرار والتنمية والشراكات، لا بتوسيع الأزمات وإدارة الصراعات. ومن هنا فإن أخطر ما يواجه إيران اليوم ليس خصومها في الخارج، بل استمرار الرهان على سياسات أثبتت الوقائع أنها تستهلك النفوذ أكثر مما تعززه، وتدفع بالمشروع من مرحلة التوسع إلى مرحلة يمكن وصفها بحق بأنها «مرحلة الانتحار الاستراتيجي».