الخبر السيئ لطهران أن البحرين بلغت مرحلةً لم يعد المشروع الإيراني يحمل لها فيها أسراراً. فما حاولت إيران إخفاءه، كشفته البحرين، وما اعتقدت أنه يتطور، أصبح بالنسبة إلى الدولة والمجتمع أنماطاً متكررة تُقرأ وتُفكك قبل أن تتحول إلى تهديد.
ليست المسألة اليوم أن الدولة كشفت تنظيماً، أو أحبطت مخططاً، أو أوقفت ممولين ومجندين خونة، هذه نتائج. أما التحول الحقيقي فهو أن المشروع الإيراني نفسه أصبح مكشوفاً قبل أن يتحرك. فلم تعد البحرين تنتظر الفعل لتفهمه وتفسره، بل أصبحت تفهمه قبل أن يقع. وهذه لحظة فارقة في أي مواجهة، لأن فهم السلوك في الأمن ليس ترفاً استخباراتياً، بل أعلى درجات الردع عندما يتبع بإجراءات استباقية.
ولهذا لم يكن ما طرحه معالي وزير الداخلية مجرد حصيلة نجاحات أمنية، بل إعلاناً عن انتقال الدولة إلى مرحلة جديدة. مرحلة لم تعد فيها تراقب المشروع الإيراني، بل تفككه، وتقرأ طريقة تفكيره وسلوكه، وتعرف كيف يعيد إنتاج نفسه -إن استطاع أصلاً - وكيف يتلوّن محاولاً التسلل مجدداً، سواء أكان بعمامة أو من دونها.
المفارقة أن كل محاولة إيرانية جديدة لم تكن توسع نفوذ المشروع، بقدر ما كانت توسع معرفة البحرين به. ومع كل خلية تُكشف، وكل شبكة تُفكك، وكل مخطط يُحبط، كانت الدولة تضيف فصلاً جديداً إلى خبرتها، حتى أصبح المشروع الإيراني كتاباً مفتوحاً أمامها.
وهنا تحديداً تتجاوز التجربة البحرينية حدودها الوطنية، لتصبح قيمةً استراتيجيةً لدول الخليج العربي والمنطقة بأسرها. فما راكمته المنامة من معرفة يشكل رصيداً عربياً مشتركاً، يمكن البناء عليه في مواجهة طهران، لأن المشروع الإيراني التوسعي لم يعترف بالحدود وبمفهوم الدولة الوطنية، ولا تختلف أدواته من دولة إلى أخرى. وإذا كان يفكر بعقلٍ إقليمي، فإن الردع الحقيقي يبدأ بتوحيد المعرفة والخبرة قبل توحيد المواقف.
ومن هنا أيضاً يمكن فهم رسالة أخرى حاسمة، فالمعرفة بطبيعة هذا المشروع تغيّر بالضرورة طبيعة التعامل مع النظام الذي يقف خلفه. فلا تُبنى العلاقات الطبيعية مع نظام اعتبر سيادة البحرين هدفاً مشروعاً، وأمن شعبها ساحةً مفتوحة للعبث. فاحترام السيادة، وحسن الجوار، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية ليست عناوين تفاوض، بل الأساس الذي تقوم عليه العلاقات بين الدول.
غير أن هذه المعادلة لا تكتمل بالإجراءات السياسية والأمنية وحدها. ولذلك، لم يعد الأمن مسؤولية رجل الأمن وحده، فالمعركة تبدأ حين تُصنع الرواية، وحين يُعاد تشكيل الوعي، وحين يصبح الإعلام، والتعليم، والثقافة، خطوط الدفاع الأولى قبل أن تتحرك أي دورية أو يُطلق أي إنذار.
ختاماً.. هنيئاً لنا وللدولة كشف وتعرية المشروع الإيراني، فإن نجاحنا الأكبر اليوم تحصين المجتمع البحريني. فالمشاريع العابرة للحدود لا تُهزم بالسلاح وحده، بل عندما تفقد البيئة التي تتسلل منها، وتجد أمامها مجتمعاً يعرفها، ويفهم أدواتها، ويرفض أن يكون وقوداً لها. وهنا يتحول الأمن من مهمة دولة إلى ثقافة وطن، ومن مسؤولية وزارة إلى وعي مجتمع بأكمله.
فيصل العلي