تأتي حكمة سيدي جلالة الملك المعظم حفظه الله ورعاه في خطاباته التاريخية السامية لتضع النقاط على الحروف، وتوصل رسائل واضحة ومباشرة لكل الشعوب الشقيقة والصديقة، بل وللأعداء على حد سواء، وإن استلهام الخطاب الملكي للرسالة المحمدية الخالدة - التي أخرجت بلاد فارس من عتمة الجهل والتقديس الوثني إلى نور المعرفة والعدل - يمثل قمة الرؤية الاستراتيجية الحكيمة؛ فهي تذكرة تاريخية بأن الإسلام الحقيقي جاء رحمة للعالمين وبنياناً للسلام، بعيداً كل البعد عن التمدد المذهبي الدفين، أو سفك الدماء، أو الغدر بالجار، أو استغلال الدين لتنفيذ أجندات الهيمنة وتوسيع دوائر النزاع.
وإن من يمعن النظر اليوم في واقعنا الإقليمي، ويرى تعلق البعض بوهم أمجاد فارس وتكرار أخطاء التاريخ، يدرك تماماً أن العزة الحقيقية لا تُبنى على الشعارات الطائفية، بل بالالتزام بقيم الشريعة السمحاء التي تقيم وزناً لعهود حسن الجوار واحترام السيادة، فالرسالة النبوية الصافية هي دعوة لكل من يتعلق بتلك الأوهام للعودة إلى جادة الصواب والعدل والأخوة الإنسانية الحقيقية.
من هنا، ينطلق الدور الريادي والمسؤولية التاريخية لولاة الأمر وقادة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، الذين شيدوا بحكمتهم ورؤيتهم السديدة سوراً منيعاً وحصناً حصينا يحمي الخليج بأسره وأبنائه؛ فبتكاتف الأشقاء ووحدة الصف، غدا الجميع درعاً واحداً لحماية الأوطان ومقدساتها ومقدراتها، وإن هذا الأمن الاستراتيجي الذي ترسخه منظومتنا الخليجية المشتركة يظل الركيزة الأساسية والعمق الآمن لاستمرار عجلة التنمية المستدامة وازدهار شعوبنا، ليظل درع الوطن ومسيرته التنموية ركيزتين متلازمتين في مسيرة البناء والدفاع.
وإننا لنقف بكل فخر واعتزاز، إجلالاً وإكباراً، أمام بواسلنا الأبرار من أبناء مملكة البحرين وقواتنا المسلحة الباسلة، ومعهم إخوانهم الشجعان من القوات المسلحة لدول مجلس التعاون في تمرين «درع البحرين» والمشاركة المشرفة للواء الملك حمد الإماراتي، لنرى تجسيداً حياً وعملياً للتكامل الخليجي المتبادل في الدفاع عن تراب الوطن، إن هذه القوات الباسلة تتمسك بسلاح العقيدة الإسلامية الصحيحة السليمة التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم، مؤكدة دوماً أن هذه القوة والجاهزية لم تكن يوماً إلا قوة ردع واستقرار تمد يد السلام والتعاون للجميع، لا أداة عدوان؛ ومؤكدة أن دماء أبناء الخليج على الجبهات هي دماء واحدة تنبض بالوفاء والشرف، ليبقى خليجنا -العزة والرفعة- واحة أمن واستقرار منيعة لا تلين في وجه كل التحديات.
همسة
همسة صدق خالصة لمن تعلق بأوهام الماضي وتعلل بالدين تعلقاً زائداً متخذاً من شعارات فارس البالية ذريعة للتنكر للوطن والأهل؛ فليعلم أن الإسلام الحقيقي الذي أشرقت به الأرض نوراً وعدلاً ببعثة المصطفى صلى الله عليه وسلم، لم يكن يوماً دعوة للفرقة أو التبعية العمياء لعرش زائل، بل جاء رحمة، وهداية وبنّاءً للإنسان والعمران، وإن الولاء الحق والتدبر السليم يوجبان حفظ الأوطان، وصون مقدراتها، والوفاء لتراب طاهر غذينا بخيره وعشنا في كنف أمنه، لا الانجراف خلف سراب طائفي يستلب العقول ويبيع الهوية بثمن بخس في سوق الأوهام والولاءات العابرة للحدود.