إنّ للكلام في أزمنة الاضطراب منزلةً لا يبلغها كلُّ مقال، وللمواقف عند اشتداد الخطوب ميزانًا لا يثبت عليه إلا الرجال؛ فكم من خطابٍ طال لفظُه وقصر أثرُه، وكم من بيانٍ علا جرسُه وخبا خبرُه، وكم من كلمةٍ قلّت حروفُها وجلّت معانيها، حتى غدت للدولة عنوانًا، وللبصيرة برهانًا، وللثبات بنيانًا. ومن ذروة هذا المقام جاء حديث سيدي حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه، لدى لقائه أصحاب السعادة السفراء الجدد خلال تسلّم جلالته أوراق اعتمادهم؛حديثُ ملكٍ إذا تكلّم أبان، وإذا وجّه أنار، وإذا نظر استشرف المآل، وإذا اشتدّ الخطب جمع بين صرامة الحزم وسكينة الاعتدال؛ قائدًا أكبر من عارض الحدث، وأبعد نظرًا من حدود اللحظة، وأعمق بصيرةً من ظاهر الخبر؛ يحمل في منطقه هيبة الدولة وجلالها، وفي حكمته سداد الرؤية وكمالها، وفي طمأنينته حنوّ الأب وظلاله، وفي عزمه قوة الحامي واقتداره.
فكان حديث جلالته واضحًا لا يلتبس، مهيبًا لا يتكلّف، هادئًا لا يضعف، حازمًا لا يتعسّف؛ وضع للأحداث قدرها، وللأخطار حدّها، وللسلام بابه، وللردع حسابه؛ حتى غدا للدولة نهجًا يُهتدى، وللشعب أمنًا يُرتجى، وللعالم رسالةً يرى فيها حكمة ملكٍ أحبّ وطنه فصانه، وأخلص لشعبه فرعاه، وقاد البحرين بعينٍ على السلام، ويدٍ على الزمام، وعزمٍ لا يلين إذا تعلّق الأمر بسيادتها وأمنها وعزّها الذي لا يُضام. وقد جاء تأكيد جلالته أن الحياة في مملكة البحرين تسير في مجراها، وأن الأعمال تمضي في مسارها، وأن التجارة والسياحة تواصلان نشاطهما، رغم ما يحيط بالمنطقة من اضطرابٍ يختبر قرارها، وتحدٍّ يمتحن اقتدارها؛ لا تهوينًا من الأخطار، ولا تغافلًا عن الآثار، بل تعبيرًا عن ثقةٍ لا يزعزعها طارئ، ودولةٍ لا يعطّلها عابر، وشعبٍ لا تصرفه الشدائد عن البناء والإعمار.
فالمعتدي لا يبتغي بطائراته المسيّرة إصابة منشأةٍ في جدارها، بل يريد إصابة الطمأنينة في نفوسها، والحركة في أسواقها، والثقة في قلوبها؛ فإذا بقيت الحياة دائرةً في رحابها، والمؤسسات عاملةً في جنباتها، والناس ماضين في شؤونها، سقط مراده قبل أن يبلغ منتهاه، وخبا تهديده قبل أن يدرك مبتغاه، وتبيّن أن البحرين لا يحكمها خوفٌ في قرارها، ولا يقودها قلقٌ في مسارها، ولا يوقف نهضتها تهديدٌ في ليلها أو عدوانٌ في نهارها.
ثم جاءت عبارة جلالته: «فنحن قريبون جدًا من خطوط المواجهة، لكننا نقف في الجانب الصحيح»، فاصلةً في معناها، جامعةً لموقف البحرين في مبناها ومرماها؛ إذ أثبتت أن وضوح الموقع من وضوح الموقف، وأن من وقف في جانب الحق والسلام والدولة لم تُضلّه كثرة الأصوات، ولم تَحِد به شدة الأزمات عن جادة الثبات. ومن هنا كانت دعوة جلالته إلى احتواء الموقف حكمةَ قائدٍ يعرف متى يُفتح للسلام بابُه، ومتى يُرفع للردع سيفُه؛ فالسلام عند الأقوياء قرارٌ تحرسه القدرة، والتهدئة عند الحكماء اختيارٌ يضبطه الاقتدار، لا تراجعٌ يفرضه الانكسار.
ثم جاء تشريف جلالته لتمرين «درع البحرين»، لتصل حكمة القيادة بعزم الميدان؛ إذ بيّن في كلمته السامية أن مجلس التعاون لدول الخليج العربية لم يكن إطارًا تلتقي فيه الأسماء، بل مسيرةً رسّخت الإخاء، ووحدةً أحكمت البناء، ونموذجًا رائدًا للعمل المشترك أثبت في الشدائد قدره، وكشف في الملمات أثره. فجاء التمرين امتدادًا للأمن الجماعي والتكامل الدفاعي والردع الخليجي؛ حتى تكون الأخوّة قوةً في الميدان، وتنسيقًا في القيادة، وجاهزيةً تحمي السيادة وتردع العدوان.
وفي قلب هذا المشهد الخليجي المشرّف، جاءت مشاركة «لواء الملك حمد» من القوات المسلحة الإماراتية الشقيقة في تمرين «درع البحرين» شاهدًا على أصالة الأخوّة وصدق المساندة؛ فما كان الأشقاء في دولة الإمارات العربية المتحدة إلا كما عهدناهم أهلَ أسبقيةٍ في النصرة، ومبادرةٍ في المؤازرة، ولهم من البحرين قيادةً وشعبًا خالص الامتنان وصادق العرفان.
وأمّا السلوك الإيراني تجاه دول الخليج العربي، فما عاد يستره تأويل، ولا يخفّف قبحه تبرير؛ إذ يتجدّد فيه التصعيد بغير حق، ويتّسع به النزاع بغير حد، وتُهدر معه رابطة الدين، وتُنقض به عهود الجوار، ويُستبدل به الأمن اضطرابًا، والسلام عدوانًا. ويبلغ به الجحود أن يتناسى فضل الرسالة المحمدية على الأمة الفارسية، وما أفاضته عليها من نور الهداية بعد عصور الضلال؛ فأخرجت من آمن منها من تقديس النار إلى عبادة ربّ العباد، ومن ظلمة الاعتقاد إلى نور التوحيد والرشاد، وبدلاً من أن تكون رابطة الإسلام بابًا للإخاء، جعلها نظام ولاية الفقيه ستارًا للعداء، واتخذ من شعارات الدين ذريعةً للاعتداء.
غير أن دول المجلس، بما تحظى به من دعم الأشقاء والأصدقاء والحلفاء، وما بلغته من تنسيقٍ أمني ودفاعي متقدم، غدت أمضى عزمًا في صون منعتها، وأقوى يدًا في حماية نهضتها، وأرسخ قدرةً على الذود عن أوطانها ومقدراتها. ثم جاءت كلمة جلالته الجامعة: «دماؤنا واحدة على كل الجبهات»، فاختصرت حقيقة المجلس في أجلّ عباراتها، وأصدق دلالاتها: دمٌ واحدٌ إذا نادى الواجب، وصفٌّ واحدٌ إذا دهم الخطر، ومصيرٌ واحدٌ في خليج الرفعة والعزة؛ لا تفرّقه الحدود، ولا توهنه الخطوب، ولا تمتد إلى سيادة دوله يدٌ إلا ردّها العزم، وقهرها الحزم، وحسم أمرها الحسم.
وفي ضوء هذين البيانين الساميين، واستلهامًا من هديهما، جاء حديث معالي الفريق أول الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة وزير الداخلية، «راشد البحرين»، ليصل حكمة القيادة بحزم الدولة، ويترجم وضوح الرؤية إلى صونٍ للوحدة وحمايةٍ للهوية؛ مؤكدًا أن قيادة وحكمة حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم تمثّل الإطار الوطني الجامع الذي يلتف حوله الجميع، وأن الأمن المجتمعي ركيزةُ التماسك، والوحدة الوطنية سياجُ الاستقرار، وكشف الفكر المتطرف صونٌ للوطن وحمايةٌ لكافة أهله.
وميدانيًّا، أظهرت المملكة العربية السعودية الشقيقة العزم الخليجي في أتمّ معانيه؛ عندما مضت إلى ضرب أحد مصادر العدوان وملاحقة من أراد السوء بأمنها وسيادتها، فجاءت الضربات النوعية على مواقع الميليشيات الإرهابية في العراق ردًّا لم يضلّ طريقه، وحزمًا لم يجاوز حقه. وجاء موقف مملكة البحرين مؤازرًا وثابتًا وصريحًا؛ فأمن السعودية من أمن البحرين، واستقرارها من استقرارها، وسيادتها من سيادتها؛ وهو عهدٌ توارثته القيادتان، ووحدةُ دمٍ رسّخها التاريخ، ومصيرٌ واحدٌ لا تبدّله الظروف.
وإذا كان الردع قد قال كلمته في الميدان، فإن المسؤولية تبقى قائمةً في ميزان السياسة والقانون؛ فلا يستقيم أن تتحول أراضي الدول إلى منطلقٍ للعدوان، أو تصبح سيادتها ستارًا يحتمي خلفه العابثون، أو يعلو سلاح الميليشيات على سلطانها. وقد آن للمجتمع الدولي، وفي مقدمته مجلس الأمن، أن يزن الوقائع بآثارها لا الادعاءات بشعاراتها، وأن يواجه من يتخذ من الوكلاء ستارًا لعدوانه، ومن الميليشيات جسرًا لأطماعه وطغيانه.
فالسلامُ لمن صان السلام، والردعُ لمن ركب العدوان؛ فالحق قد يُمهل ولا يُهمل، والسيادة قد تُختبر ولا تُقهر، والعدالة قد تُبطئ في خطاها، لكنها إذا استوفت مداها أقامت الميزان، وألجمت الطغيان، وردّت إلى المعتدي كيده وخسرانه. فلا عدوانَ بلا ردّ، ولا جريمةَ بلا حساب، ولا يدٌ تمتد إلى سيادة دول المجلس ومقدراتها الوطنية إلا عادت خائبةَ المسعى، مكسورةَ المرمى، تجرّ وراءها وزرها وخسرانها؛ فهذه أوطانٌ تصونها وحدةٌ لا تنفصم، وتحرسها عزيمةٌ لا تنهزم، ويقف دونها رجالٌ إذا نادى الواجب لبّوا، وإذا دهم الخطر هبّوا، وإذا عاهدوا أوفَوا، وإذا اعتُدي عليهم ردّوا.