لم تكن كلمة حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك مملكة البحرين المعظم القائد الأعلى للقوات المسلحة حفظه الله ورعاه، خلال التمرين المشترك «درع البحرين»، مجرد كلمة ترحيبية بالمشاركين، بل حملت رسائل سياسية وأمنية بالغة الوضوح، تعكس طبيعة المرحلة التي تمر بها منطقة الخليج العربي، وتؤكد أن أمن دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية لم يعد ملفاً قطرياً منفرداً، وإنما مسؤولية جماعية تتطلب أعلى درجات التنسيق والجاهزية والتكامل.
ويكتسب تمرين «درع البحرين» أهمية خاصة من كونه يجمع القوات المسلحة لدول مجلس التعاون الخليجي لدول الخليج العربية، مما يجسد عملياً مفهوم وحدة الصف الخليجي، ويحوّل التعاون الدفاعي من إطار سياسي إلى ممارسة ميدانية ترفع مستوى التنسيق وتبادل الخبرات والاستعداد لمواجهة مختلف التحديات.
واللافت في خطاب جلالة الملك المعظم أيده الله بنصره هو الربط المباشر بين نجاح مجلس التعاون الخليجي في مسيرة العمل المشترك وبين تطوير منظومة التكامل الدفاعي، في إشارة مهمة إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال بالتعاون الخليجي إلى مستويات أكثر تقدماً، خصوصاً في المجال الأمني والعسكري. فالتحديات التي تواجه المنطقة لا تعترف بالحدود، وهو ما يجعل بناء منظومة دفاعية خليجية أكثر تكاملاً ضرورة استراتيجية، وليس مجرد خيار.
كما حملت الكلمة موقفاً سياسياً واضحاً تجاه السلوك الإيراني، حين عبّر جلالة الملك المعظم حفظه الله، ورعاه عن الأسف لإستمرار ما وصفه بالتصعيد وتوسيع دوائر النزاع. وهذه الرسالة تعكس بوضوح أن دول الخليج، رغم حرصها على الاستقرار وحسن الجوار، لن تتعامل مع أمنها الوطني بمنطق رد الفعل، بل بمنطق بناء القوة والجاهزية والردع القادر على حماية شعوبها ومكتسباتها التنموية.
وفي الوقت نفسه، لم يغلق الخطاب الباب أمام المسار السياسي والدبلوماسي، بل ترك مساحة واضحة للتهدئة، حين دعا إلى ترجيح كفة الأخوة الإسلامية والالتزام بقيم حسن الجوار والعيش المشترك واحترام العهود. وهذه المعادلة تحديداً تكشف طبيعة الرؤية الخليجية قوة دفاعية تحمي الأمن، ودبلوماسية تسعى إلى تجنب الصدام، وعلاقات قائمة على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في شؤون الدول.
ومن زاوية سياسية أوسع، فإن مشاركة دول الخليج العربي في تمرين عسكري موحد، وبمستوى عالٍ من التنظيم والاحترافية، توجه رسالة إلى الإقليم والعالم بأن منظومة مجلس التعاون الخليجي لدول الخليج العربي تمتلك إرادة سياسية متزايدة لتعزيز أمنها الجماعي. كما أن حضور سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع بدولة الإمارات العربية المتحدة، يؤكد عمق العلاقات البحرينية الإماراتية، ويعكس مستوى التنسيق المتقدم بين البلدين الشقيقين في الملفات الدفاعية والأمنية.
وتبرز مشاركة «لواء الملك حمد» الإماراتي تحديداً كصورة رمزية عميقة للتضامن الخليجي، فالتعاون العسكري هنا لا يقتصر على تبادل الخبرات أو تنفيذ المناورات، وإنما يعكس قناعة راسخة بأن أمن البحرين وأمن الإمارات والسعودية وعُمان وقطر والكويت هو في جوهره أمن واحد، وأن أي تهديد لاستقرار إحدى دول المجلس ينعكس على المنظومة الخليجية بأكملها.
لقد أثبتت التطورات الإقليمية خلال السنوات الماضية أن امتلاك القدرات العسكرية وحده لا يكفي، بل إن قوة أي منظومة أمنية تقاس بقدرتها على العمل المشترك وسرعة الاستجابة وتبادل المعلومات وتوحيد المواقف ورفع الجاهزية. ومن هذه الزاوية، فإن «درع البحرين» يمثل أكثر من تمرين عسكري، إنه اختبار عملي لمفهوم الأمن الجماعي الخليجي، ورسالة بأن دول المجلس ماضية في بناء قدراتها الدفاعية على أساس التكامل والتنسيق.
إن العبارة التي وردت في كلمة جلالة الملك المعظم أطال الله في عمره بأن «دماءنا واحدة على كل الجبهات» تختصر المعنى السياسي الأهم للتمرين، فالتحديات التي تواجه الخليج العربي لا يمكن مواجهتها بشكل منفرد، والردع الحقيقي يبدأ من وحدة الموقف وتماسك الصفوف. وكلما ازدادت قدرة دول الخليج العربي على العمل كمنظومة واحدة، ازدادت قدرتها على حماية أمنها واستقرارها ومشروعاتها التنموية، وعلى فرض حضورها كلاعب إقليمي مسؤول يمتلك أدوات حماية مصالحه والدفاع عن سيادته.
وفي المحصلة، فإن «درع البحرين» يقدم نموذجاً لما ينبغي أن تكون عليه المرحلة المقبلة من العمل الخليجي، تكامل دفاعي أكبر، تنسيق أمني أعمق، جاهزية أعلى، وموقف سياسي موحد، مع إبقاء أبواب الحوار مفتوحة متى توافرت إرادة حسن الجوار والاحترام المتبادل.
وهذه هي المعادلة التي تمنح الخليج العربي قوته: السلام من موقع القوة، والحوار من موقع الثقة، والتكامل من أجل حماية أمن ومستقبل دول وشعوب الخليج العربي.
* عضو الاتحاد العام للصحفيين العرب وعضو الاتحاد الدولي للصحفيين