استهل حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، كلمته أمام المشاركين في تمرين «درع البحرين» بالتأكيد على الأخوة الخليجية، ثم امتد الخطاب إلى معنى الأخوة عند الحديث عن إيران، قبل أن يختتم بصورة الدم الواحد على الجبهات، وهذا البناء يحمل جوهر الخطاب، ويمنح كلمة «الأخوة» معناها السياسي في لحظة تختبر فيها الحروب حقيقة الشعارات.

وجاءت الأخوة الخليجية في مطلع الكلمة امتدادًا لعلاقات راسخة من المودة والمساندة، ثم أخذت صورتها العملية في الأمن الجماعي والتكامل الدفاعي وبرامج الردع المشترك، وفي ختام الخطاب، كانت القوات الخليجية تقف في ميدان واحد، لتؤكد العبارة الملكية أن «دماءنا واحدة على كل الجبهات»، وهكذا خرجت الأخوة من اللغة إلى الفعل، وصارت التزامًا يظهر وقت الخطر.

وعندما انتقل جلالة الملك المعظم إلى السلوك الإيراني، استخدم تعبيرًا دقيقًا: «ما يُفترض أن يجمعنا بها من رابطة دينية»، وتحمل كلمة «يُفترض» هنا مسافة مؤلمة بين الانتماء والممارسة، فالرابطة الدينية حاضرة في الخطاب الإيراني، وتكشف الصواريخ وتوسيع دوائر النزاع عن سياسة ابتعدت عن مقتضياتها، وتناست ما أضافته الرسالة المحمدية إلى الأمة الفارسية من عمق روحي وإنساني ومعرفي.

وتقدم إيران نفسها منذ عقود بصفتها صاحبة مشروع إسلامي، وتمنح مواقفها السياسية غطاءً دينيًا كثيفًا، وقد أعادت الكلمة الملكية الدين إلى موقعه الأصلي، معيارًا أخلاقيًا يحاكم السياسة ويقيس وفاءها بحرمة الجار وما يفرضه العهد، ومن يضع الإسلام في عنوان مشروعه يصبح مطالباً بإظهار أثره في سلوكه، خاصة عندما تكون الجهة المتضررة شعوباً مسلمة ودولاً مجاورة.

ويستحق الانتقال في الخطاب من اسم «إيران» إلى تعبير «الأمة الفارسية» وقفة خاصة، فيشير اسم «إيران» هنا إلى الدولة وخياراتها السياسية الراهنة، ويحيل تعبير «الأمة الفارسية» إلى فضاء حضاري وذاكرة تاريخية ممتدة، ويكتسب هذا التفريق أهمية إضافية لأن إيران الحديثة تضم قوميات ومذاهب وديانات متعددة، من الفرس والعرب والأذريين والأكراد والبلوش وغيرهم.

وقد اختزل خطاب السلطة هذا التنوع طويلًا في صوت عقائدي واحد، حتى ظهر مشروع ولاية الفقيه في المنطقة بوصفه التعبير الكامل عن إيران وشعبها، وتعيد الكلمة الملكية الصورة إلى حجمها الصحيح، فتحفظ للحضارة الفارسية مكانها داخل التاريخ الإسلامي، وتحمّل النظام مسؤولية توظيف الدين والمذهب في خدمة نفوذه الإقليمي.

ومن هنا جاءت الإشارة الملكية إلى فضل الرسالة المحمدية على الأمة الفارسية، وتحمل العبارة مراجعة عميقة للخطاب الإيراني؛ فالنظام الذي اعتاد مخاطبة المنطقة من موقع الواعظ باسم الإسلام، يتلقى هنا تذكيرًا بما أحدثته الرسالة المحمدية في حضارته، وبالمسؤولية التاريخية التي ترتبت على ذلك الأثر، فالرسالة المحمدية تصبح في هذا السياق مسؤولية تاريخية، ويظهر الوفاء لها في حسن الجوار وصيانة حياة الناس.

ويفتح التعبير عن «عصور الضلال» بابًا لقراءة تاريخية أوسع، تستحضر عودة السياسة إلى منطق الإمبراطوريات القديمة، حيث يتقدم التوسع على الجوار، ويتحول النفوذ إلى أداة لإخضاع الدول المحيطة وجرها إلى ساحات الصراع، وقد تبلغ الحضارة ذروة قوتها المادية، ثم تضعف بوصلتها حين تغيب عنها القيمة التي تضبط القوة وتمنحها معناها الإنساني.

وجاء الموقف الملكي صريحًا، مع إبقاء طريق المراجعة مفتوحًا عبر الأمل في عودة الأمور إلى نصابها الصحيح وترجيح كفة الأخوة الإسلامية، وتحمل كلمة «الكفة» دلالة على ميزان سياسي وأخلاقي تُعرض عليه خيارات القيادة الإيرانية، ويقتضي ترجيحها مراجعة سياسة التصعيد والعودة إلى مقتضيات الجوار بما يعيد للمنطقة استقرارها.

وقد عرّف الخطاب الملكي معنى الأخوة الإسلامية من خلال العيش المشترك واحترام عهود حسن الجوار، وربط صدقها بأمن الجار وصيانة حياته وعمرانه، ولهذا جاء الحديث عن حماية «العمران التنموي والحضاري» لدول الخليج امتدادًا طبيعيًا لهذه الرؤية، فكل صاروخ يهدد سنوات من العمل استثمرتها دولنا في بناء الإنسان وتطوير المدن وصناعة مستقبل الأبناء، ومن هنا تكتسب القوة الخليجية المشتركة معناها في حماية مسيرة التنمية وحق الخليج العربي في مواصلة مشروعه الحضاري بأمن وثقة.

لقد قدمت الكلمة الملكية موقفًا يتجاوز اللحظة العسكرية إلى سؤال حضاري عميق، فالدولة التي تستدعي الإسلام في خطابها تتحمل أمانة حفظ الدم وصون العهد واحترام الجوار، وجاء التحرك السعودي لإنشاء تحالف بحري دفاعي متعدد الجنسيات بمشاركة البحرين ودول شقيقة وصديقة امتدادًا ميدانيًا لهذا المعنى، فعهود حسن الجوار تفتح طريق الأمن والاستقرار، ومن ينقضها ويمد يده إلى أمن دولنا وعمرانها سيجد الخليج صفاً واحداً، وسنكون له بالمرصاد.