ماذا يعني لنا في البحرين أن توقع السعودية اتفاقًا للدفاع المشترك مع تركيا وباكستان؟

يحمل السؤال معنى أكبر من الاتفاق الذي شهدته مكة، لأن المنطقة كلها تعيد اليوم ترتيب مفهوم الحليف بعد أشهر من الحرب والاعتداءات الإيرانية الغاشمة، وبعد أن امتد التهديد من الصواريخ والطائرات المسيّرة إلى السفن والممرات البحرية، فأصبح الخليج أمام واقع أمني يفرض توسيع دائرة الشركاء ورفع قدرة الردع.

تبدأ هذه الخريطة من البيت الخليجي نفسه، فمجلس التعاون بدوله الست يبقى الدائرة الأولى للأمن، وقد أثبتت الأحداث الأخيرة أن ما يصيب البحرين أو الكويت أو قطر يجد صداه سريعاً في الرياض وأبوظبي ومسقط وبقية العواصم الخليجية، وهو ما ظهر في المواقف المشتركة تجاه الاعتداءات الإيرانية، وفي التأكيد المستمر على وحدة أمن دول المجلس.

وتحضر الإمارات في هذا المشهد بثقل خاص، فهي لاعب رئيسي في أمن الخليج والممرات البحرية، ولديها حضور سياسي وعسكري ممتد في ملفات أمنية عديدة، فيما تؤدي عُمان دوراً مختلفاً بحكم موقعها المطل على مضيق هرمز وعلاقاتها التي تمنحها مساحة للحركة والوساطة، وتكمل البحرين والكويت وقطر هذه المنظومة عبر شراكاتها الدفاعية وتحركاتها السياسية، لذلك يصعب قراءة أي تحالف جديد خارج الإطار الخليجي الذي تنطلق منه هذه الدول.

غير أن التطور الأهم ظهر في البحر، فمن الشرق أصبح مضيق هرمز نقطة ضغط مباشرة على دول الخليج والاقتصاد العالمي، ومن الغرب صعّد الحوثيون تهديداتهم للملاحة في باب المندب والبحر الأحمر، وبين المضيقين تمر مصالح الخليج وصادراته وإمداداته.

ولهذا تسارعت التحركات البحرية، ففي يوليو أعلنت قيادة التحالف دعم الشرعية في اليمن إجراءات لحماية السفن العابرة لباب المندب، ثم تحركت السعودية نحو تشكيل تحالف دفاع بحري متعدد الجنسيات، حظي بدعم أربع عشرة دولة، بما يعكس تحول أمن الممرات البحرية إلى قضية دولية، وفي هرمز قادت البحرين، بصفتها رئيسة المجلس الوزاري لمجلس التعاون، موقفاً خليجياً مع الاتحاد الأوروبي يؤكد حرية الملاحة ويرفض فرض القيود على المرور في المضيق، وهو موقف يرتبط مباشرة بأمن المملكة ومصالحها الاقتصادية.

ومن هنا يمكن فهم اتفاق مكة بصورة مختلفة، فالسعودية تتحرك في قلب بيئة تواجه ضغطاً من الشمال عبر الميليشيات المرتبطة بإيران، ومن الجنوب عبر الحوثيين، وفي البحر عبر التهديد المستمر للممرات، وجاء الاتفاق مع تركيا وباكستان ليضيف طبقة جديدة إلى منظومة الردع، فتركيا تحمل وزناً عسكرياً كبيراً وخبرة داخل الناتو، وباكستان تملك واحدة من أكبر القوات المسلحة في العالم وقدرة نووية، بينما تمنح السعودية هذا الترتيب ثقله الخليجي والعربي.

والصيغة التي تقول إن الاعتداء على إحدى الدول الثلاث سيعامل باعتباره اعتداءً على الجميع رفعت الاتفاق من مستوى التعاون المعتاد إلى رسالة سياسية وعسكرية مباشرة.

ويبدو أن الرسالة وصلت سريعاً إلى طهران، فقد هاجم عضو في لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية بالبرلمان الإيراني الاتفاق، وقلل من قدرته على توفير الأمن للسعودية، مستخدماً لغة حادة تجاه اعتماد المملكة على شركائها، وهذا الانزعاج يمنح الاتفاق دلالة إضافية، فحجم القلق الذي يثيره يكشف مقدار ما يمثله من تغيير في موازين القوة.

ويمتد المشهد إلى محيط عربي أوسع، فالأردن حاضر في الحسابات الأمنية الخليجية بعد تعرضه للاعتداءات الإيرانية، بينما يحتفظ المغرب بشراكة استراتيجية مع مجلس التعاون، وتبقى مصر مرتبطة مباشرة بأمن البحر الأحمر، وتستمر الشراكات الدفاعية مع الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، وللبحرين خصوصاً علاقات متقدمة مع واشنطن ولندن ودور معروف في منظومة الأمن البحري الدولية.

وهكذا يتسع مفهوم التحالف في الخليج انطلاقًا من مجلس التعاون، ثم بحسب الحاجة التي تفرضها كل ساحة، في البحر كما في الدفاع عن المدن والمنشآت، وساهم السلوك الإيراني في تسريع هذا التحول، إذ دفعت الاعتداءات دول المنطقة إلى تقارب أكبر، ووسعت التهديدات البحرية دائرة الدول المعنية بحماية الممرات، فيما جعل نشاط الوكلاء بناء ترتيبات أمنية جديدة أكثر إلحاحاً.

ومن البحرين تبدو الصورة واضحة، فأمن المملكة يرتبط بقوة البيت الخليجي، ويزداد صلابة كلما اتسعت شبكة الشركاء القادرين على حماية المنطقة ورفع كلفة الاعتداء عليها، وتتكون حول الخليج اليوم خريطة أمنية مختلفة، تمتد من هرمز إلى باب المندب، وتصل إلى قوى عربية وإسلامية ودولية وجدت مصالحها مرتبطة باستقرار هذه المنطقة، والمفارقة أن إيران ساهمت بسلوكها في تسريع ظهور الخريطة التي كانت تخشى قيامها حولها.