حين افتتحت البحرين أول مدرسة نظامية للبنات في الخليج عام 1928، لم يكن تعليم المرأة في منطقتنا أمراً مؤسساً أو ممارسة اعتيادية منتشرة.
وحين دخلت البحرينية مجال التمريض مبكراً، ثم تأسست أول مدرسة للتمريض في البحرين والخليج عام 1959، كانت المرأة البحرينية تفتح باباً جديداً.
وحين خرجت في بعثات للدراسة الجامعية منذ الخمسينيات، ودخلت العمل المصرفي، وأسست الجمعيات النسائية، ومارست حقها في المشاركة في الحياة العامة، كانت تفعل ذلك في زمن مختلف تماماً عن زمننا.
وقتها لم تكن هناك حملات على وسائل التواصل الاجتماعي، لم تكن هناك شعارات رنانة، ولم يكن مصطلح «تمكين المرأة» قد برز كشعار تتسابق الدول على استخدامه.
بل كانت هناك امرأة بحرينية تتعلم، وتعمل، وتؤسس، وتشارك، وتتقدم بهدوء. حين نحتفل باليوبيل الفضي للمجلس الأعلى للمرأة، ومرور ربع قرن على تأسيسه، علينا أن ننتبه، إذ بداية قصة المرأة البحرينية أبعد من 2001 بكثير، وهي قصة أجمل مما يتصوره البعض. المجلس الأعلى للمرأة جاء ليقول للمرأة البحرينية ”واصلي» وليس ”ابدئي»، وهذا لأن الدولة لم تستورد نموذجاً جاهزاً ثم بحثت له عن مكان داخل المجتمع، لا أبداً؛ بل قرأت تاريخها جيداً، ووثقت كيف أن المرأة البحرينية كانت موجودة بالفعل في المدرسة والمستشفى والبنك والجامعة والعمل الأهلي والمجتمع، وبناء على ذلك، كانت الأسس موجودة لتبني عليها مؤسسة وطنية تحمي ما تحقق وتفتخر به، وتفتح أبواباً جديدة لما يمكن أن يتحقق مستقبلاً.
هنا لابد من إدراك أهمية القرار الذي اتخذه حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه، بإنشاء المجلس الأعلى للمرأة عام 2001.
القرار كان جزءاً من مرحلة وطنية أكبر أراد فيها جلالته أن تتحرك البحرين إلى الأمام بكل أبنائها وبناتها، وألا تظل مشاركة المرأة اجتهادات فردية أو قصص نجاح متفرقة، بل تتحول إلى مسار مؤسسي داخل مشروع الدولة.
هنا كانت صاحبة السمو الملكي الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة قرينة ملك البلاد المعظم رئيسة المجلس الأعلى للمرأة أمام مسؤولية مختلفة، مسؤولية تحقيق الانتقال التاريخي للمرأة البحرينية، من قصص نجاح مشرفة متفرقة، إلى محطات إلهام وتأثير داخل بيئة وطنية داعمة وحاضنة، تصنع النجاح وتطوره، وتحوله لأسلوب حياة ومنهج تتطلع إليه كل نساء البحرين.
من السهل جداً اتخاذ قرارات بوضع النساء في مواقع هامة، كوزيرات وسفيرات وقاضيات، وحتى الاحتفاء بنجاحات مهنية لهن في تخصصاتهم سواء الطبية أو التجارية.
لكن التحدي الأصعب هو جعل وصول المرأة إلى هذه المواقع ”أمراً طبيعياً» وليس ”خبراً استثنائياً».
وهنا أتحدث عن تحول المرأة إلى شريك قوي وفاعل، وعنصر يستحق موقعه، لا كأفراد يتنافسن مع عالم الرجال المتفرد ذات يوم بالمناصب ومواقع المسؤولية والهالة المجتمعية.
في رأيي هذا هو المقياس الحقيقي للنجاح المبهر والمميز الذي حققه المجلس الأعلى للمرأة بعد مضي 25 عاماً، وتحويله المرأة البحرينية ونجاحها إلى مشهد طبيعي، لكنه استثنائي في العطاء والقدرات والإنجازات.
اليوم ما هي أجمل طريقة للاحتفال باليوبيل الفضي لإنشاء المجلس الأعلى للمرأة؟!
شخصياً أرى ذلك لا بتقدير المرأة البحرينية بشكر وثناء وكلام جميل على ما فعلت وقدمت من عطاء فقط، بل بسؤالها، سواء الشخصيات المخضرمة من الرائدات، أو النساء الناشطات في مجالهن، أو الفتيات القادمات بحماس وشغف للعمل والعطاء، بسؤال المرأة البحرينية هنا عما ستفعله بعد كل هذا؟!
من يقرأ تاريخ المرأة البحرينية سيرى أنها تحدت وجود أي باب مغلق، فتحته ودخلت، وكلما مضت قدما فتحت أبوابا أكبر وأصعب، وبات إصرارها سمة تعرف بها نساء البحرين على امتداد عقود ونموذجا يضرب به المثل.
احتفالنا اليوم باليوبيل الفضي لتأسيس المجلس الأعلى للمرأة، وما تحقق بقيادة سيدة نساء الوطن، أميرة البحرين صاحبة السمو الملكي الأميرة سبيكة حفظها الله، هو تأصيل وطني جميل لقصة المرأة البحرينية منذ البدايات وحتى اليوم ومضيا للمستقبل. هي قصة امرأة لم تنتظر زمنها حتى يأتي؛ هي قصة امرأة سبقت زمنها بكل فخر واعتزاز وإبهار.