كرست المدارس -دون إرادة منها- واقع التقسيم الديمغرافي الذي فرض عليها لسنوات بوجود شباب من الجنسين يقضون جزءاً كبيراً من حياتهم إلى أن يبلغوا الثامنة عشرة في مدارسهم، دون أن يحتكوا أو يختلطوا بأقرانهم من المناطق الأخرى.
هذا واقع يشكل عقبة كبيرة أمام أي دولة تحاول أن تخلق هوية وطنية جامعة وغالبة على الهويات الصغيرة الثنائية، وعائقاً أمام أي عملية دمج اجتماعي يساهم في خلق القواسم المشتركة. لذلك يصبح الوقت المتبقي من اليوم خارج المدرسة الفرصة الوحيدة المتاحة للناشئة كي نخلق تلك الأجواء، ونهيئ له تلك الأرضية، ويصبح استغلال الأوقات التي هي خارج الدوام المدرسي واحداً من الوسائل للتغلب على تلك العقبة العازلة بين الهويات.
في الأنشطة الشبابية -خاصة الرياضية منها- كالمدينة الشبابية ولعدة أسابيع في الصيف فقط حصلت عملية التعارف والتقارب بين الهويات الخاصة لهؤلاء الشباب، وأصبح الملعب أو الساحة أرضاً مشتركة تجمعهم وساحة للتجمع بين المختلفين تساهم في خلق تلك القواسم المشتركة بينهم حيث عمل الكل الفردي من أجل الفريق الواحد الجمعي، ذلك الفريق المتنوع الذي لا يجده في مدرسته لا بد أن تخلقه الدولة.
وحين تكون «الهوية الوطنية» مشروعاً للدولة يصبح بقاء تلك الساحات موجودة طوال السنة واحداً من أهم أدوات المشروع، وليس في الصيف فقط كما حدث في المدينة الشبابية أو المدينة الرياضية أو حتى معسكر قدها جونيور.
تلك الساحات تنجح في إذابة المختلف وإيجاد المشترك خاصة في الألعاب الجماعية، وهذا هدف مطلوب نسعى له سعياً، في حين أن بالإمكان تحقيقه بأبسط التكاليف لو أننا وضعنا الدمج والانصهار أي لو وضعنا خلق «الهوية الوطنية» هدفاً استراتيجياً على رأس أولوياتنا، وسخرنا له إمكانياتنا المتاحة.
لنخرج من إطار بعض الألعاب أو حتى الأندية التي رسخت الهويات المناطقية أو حتى المذهبية إلى نطاق تشجيع رياضات تتطلب اللعب الجماعي المختلط إنما تضع في اعتبارها هدف الدمج كما هو هدف تحقيق الإنجازات الرياضية لا يقل عنها بل يفوقها سمواً.
لدينا الساحات المكيفة في الصيف ولدينا ملاعب المدارس وقاعاتها ولدينا المدربون ولدينا المؤسسات الأهلية الرياضية والاتحادات الرسمية للألعاب الجماعية، والتي ممكن أن تساهم في مساعدتنا لتحقيق تلك الأهداف، لنعمل على خلق فرق مختلطة، حتى نضرب عصفورين بحجر اكتشاف وتشجيع المواهب الرياضية من جهة والسعي للدمج من جهة أخرى.
مع الأسف بعض الألعاب الجماعية كرست الفرقة -كلاعبين وكجمهور- وعززت العصبيات والمشاعر العنصرية، وبعض الأندية كذلك فعلت مع الأسف حتى بات الأمر يتطلب وجود قوات أمنية حين تكون هناك مباريات، وذلك لأنه ليس هناك إرشاد وتوجيه يلتزم بخط مشروع الهوية الوطنية يلزم الجميع.
لذلك فإن مشروعاً كمشروع خلق «الهوية الوطنية» لابد أن يكون تحت رعاية مجلس الوزراء، حتى تلتزم به جميع الوزارات بالتنسيق والعمل المشترك والبدء بالعمل به مع الأجيال الصغيرة الآن في الأنشطة الجماعية اللاصفية طوال السنة وبتعاون جميع الوزارات لتسخير الإمكانات المتاحة عند كل وزارة ليكون نواة لمشروع كبير تتبناه الدولة، وتضع له استراتيجيته الشاملة. الكلام طبعاً للبنات والبنين.