حين تُكتب مسيرة المرأة البحرينية، لا يمكن أن تُقرأ باعتبارها مجرد مسيرة حقوق ومكتسبات، وإنما باعتبارها قصة وطن آمن، وأن المرأة ليست نصف المجتمع فحسب، بل شريكاً كاملاً في صناعة الحاضر وصياغة المستقبل.

وفي قلب هذه المسيرة، تبرز صاحبة السمو الملكي الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة، قرينة ملك مملكة البحرين المعظم ورئيسة المجلس الأعلى للمرأة، بوصفها نموذجاً وطنياً راسخاً للقدوة والعطاء، ورمزاً لمسيرة امتدت على مدى خمسة وعشرين عاماً منذ تأسيس المجلس الأعلى للمرأة عام 2001. وقد توالت على سموها الأوسمة والتكريمات تقديراً لدورها في دعم المرأة والتنمية؛ فمنحت شهادة الأستاذية الفخرية في العلوم الاجتماعية عام 2002، ووسام الشيخ عيسى من الدرجة الممتازة عام 2008، ودرع منظمة المدن العربية عام 2009، ثم قلادة المرأة العربية عام 2017 تقديراً لإسهاماتها في النهوض بالمرأة العربية والبحرينية وإدماج احتياجاتها في التنمية الشاملة والمستدامة. لكن قيمة هذه التكريمات لا تكمن في أسمائها بقدر ما تكمن في أنها جاءت انعكاساً لمسيرة وطنية تحولت فيها قضية المرأة من مطلب حقوقي إلى مشروع تنموي مؤسسي، ومن التمكين إلى التقدم، ثم إلى السعي نحو الريادة.

- المرأة البحرينية.. حكاية بدأت مبكراً:

لم تكن المرأة البحرينية وليدة التحولات الحديثة، بل كان حضورها في المجتمع سابقاً على كثير من الأطر التشريعية والمؤسسية التي جاءت لاحقاً. فمنذ مطلع القرن العشرين، كانت الفتاة البحرينية حاضرة في مجال التعليم التقليدي، فتعلمت قراءة القرآن والكتابة إلى جانب الفتى. ثم جاءت مرحلة المشروع الذهبي الإصلاحي لجلالة الملك المعظم حمد بن عيسى آل خليفة، حفظه الله ورعاه، لتمنح هذه المسيرة إطاراً دستورياً ومؤسسياً أكثر إشراقاً، وكان ميثاق العمل الوطني أحد أهم مرتكزاتها، بما حمله من رؤية تؤكد المواطنة والمشاركة والحقوق العامة. وفي هذا السياق، جاء إنشاء المجلس الأعلى للمرأة ليؤسس لمرحلة جديدة من العمل المؤسسي المنظم، تقودها صاحبة السمو الملكي الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة، التي جعلت من تمكين المرأة مشروعاً وطنياً متكاملاً لا ينفصل عن التنمية الشاملة.

- من الحق في المشاركة.. إلى صناعة القرار:

لقد كان التاريخ السياسي للمرأة البحرينية شاهداً على تطور الوعي والنضج المجتمعي. فمنذ منح المرأة حق التصويت في الانتخابات البلدية في بدايات القرن العشرين، وصولاً إلى استكمال حقوقها السياسية في ظل المشروع الإصلاحي، أخذ حضورها في الحياة العامة يتسع بصورة متدرجة. ففي عام 1939 أدلت المرأة بصوتها في الانتخابات البلدية، وفي 2001 شاركت المرأة في الاستفتاء على ميثاق العمل الوطني. ثم جاءت انتخابات عام 2006 لتسجل فوز أول امرأة بعضوية مجلس النواب بالتزكية، لتصبح أول امرأة بحرينية تصل إلى المجلس النيابي. وفي عام 2010، سجلت المرأة البحرينية إنجازاً آخر بفوزها بعضوية المجلس البلدي عن طريق الانتخاب المباشر. ثم جاء عام 2018 ليشكل محطة فارقة، عندما انتُخبت أول امرأة لرئاسة لمجلس النواب،، في مشهد جسّد انتقال المرأة من المشاركة إلى مواقع القيادة وصنع القرار. وهذه المحطات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد أرقام أو سوابق انتخابية، وإنما باعتبارها مؤشرات على تحول عميق في الثقافة المجتمعية تجاه دور المرأة، وعلى نجاح البيئة التشريعية والمؤسسية في فتح المجال أمام الكفاءة النسائية لتأخذ موقعها الطبيعي في صناعة القرار.

ولعل أبلغ تعبير عن هذا التحول ما أكدته صاحبة السمو الملكي الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة في المؤتمر الدولي حول «دور المشاركة السياسية للمرأة في تحقيق العدالة التنموية: تجارب عملية وتطلعات مستقبلية» عام 2018، حين قالت سموها إن "كفاءة المرأة البحرينية تؤهلها للقيادة في كافة المجالات الوطنية ومن بينها مجال العمل السياسي، فقد أثبتت من خلال مشاركتها الفاعلة بأنها قادرة على احتراف العمل بمهنية واقتدار".

- التشريع.. حين تتحول حقوق المرأة إلى واقع:

فقد شهد الإطار التشريعي البحريني تطوراً متدرجاً في مجال حماية المرأة، سواء في العمل أو الأسرة أو الحماية الاجتماعية أو مكافحة العنف أو المشاركة في الحياة العامة. ومن أبرز المحطات التشريعية في هذا المجال التصديق على اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم (111) لسنة 1958 بشأن التمييز في الاستخدام والمهنة بموجب المرسوم رقم (11) لسنة 2000، والانضمام إلى الاتفاقية العربية رقم (13) لسنة 1981 بشأن بيئة العمل، والاتفاقية العربية رقم (15) لسنة 1983 بشأن تحديد وحماية الأجور. كما تطورت الحماية الوطنية من خلال قانون الأسرة رقم (19) لسنة 2017، وقانون الضمان الاجتماعي رقم (18) لسنة 2006، وقانون التأمين الاجتماعي الصادر بالمرسوم بقانون رقم (24) لسنة 1976، وقانون إنشاء صندوق النفقة رقم (34) لسنة 2005، وقانون الحماية من العنف الأسري رقم (17) لسنة 2015، إلى جانب تشريعات أخرى أسهمت في بناء منظومة أكثر تكاملاً لحماية المرأة والأسرة. ولم تتوقف الحماية عند الحدود الوطنية، بل امتدت إلى منظومة الاتفاقيات الدولية، من خلال انضمام مملكة البحرين إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والميثاق العربي لحقوق الإنسان، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة «سيداو»، واتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، فضلاً عن الاتفاقيات والتشريعات ذات الصلة بمكافحة الاتجار بالأشخاص والعنف الأسري.

وهنا تتجلى أهمية التشريع؛ فكل قانون يراعي احتياجات المرأة، ويكفل تكافؤ الفرص، ويحمي الأسرة ويمنع التمييز هو في جوهره استثمار في استقرار المجتمع وعدالة التنمية. ويؤكد على أن مساهمة المرأة في التشريع تعني قوانين أكثر شمولاً، وحماية أفضل للفئات الأكثر احتياجاً، وسياسات أقرب إلى الواقع، وتمكيناً أوسع للمجتمع بأكمله.

- المرأة والتنمية المستدامة.. من الحقوق إلى الأثر:

لم تعد قضية المرأة منفصلة عن مفهوم التنمية المستدامة. فتمكين المرأة يرتبط بصورة مباشرة بجودة التعليم، وفرص العمل، والمشاركة الاقتصادية، والعدالة الاجتماعية، والمؤسسات الفاعلة. ومن هنا تأتي العلاقة الوثيقة بين التشريع وأهداف التنمية المستدامة؛ فالهدف الرابع المتعلق بالتعليم الجيد يدعم بناء قدرات المرأة، والهدف الخامس يركز على تحقيق المساواة بين الجنسين وتمكين النساء والفتيات، فيما يرتبط الهدف الثامن بالعمل اللائق والنمو الاقتصادي، ويعزز الهدف السادس عشر بناء مؤسسات فعالة وشاملة وسيادة القانون والعدالة. ولذلك فإن تمكين المرأة لا ينبغي أن يُقاس فقط بعدد القوانين التي صدرت لصالحها، وإنما بقدرة هذه القوانين والسياسات على إحداث أثر ملموس في حياتها.

وهنا تبرز أهمية الاستراتيجية الوطنية للنهوض بالمرأة البحرينية، والنموذج الوطني للتوازن بين الجنسين في مملكة البحرين، والتي أصبحت أُطُراً وطنية لإدماج احتياجات المرأة في التنمية، وتشارك في تطبيقه مختلف سلطات ومؤسسات الدولة. كما تأتي الخطة الوطنية لنهوض المرأة البحرينية 2025–2026 "المرأة البحرينية من التمكين والتقدم والسعي نحو الريادة" لتشكل مرحلة جديدة في هذه المسيرة نحو الريادة الاستثنائية.

- مجلس النواب.. شريك في تمكين المرأة:

وفي هذا الإطار، يبرز دور مجلس النواب باعتباره أحد أهم المؤسسات الدستورية الوطنية المعنية بتحويل تطلعات المرأة إلى تشريعات وسياسات قابلة للتطبيق بتوجيهات معالي رئيس المجلس وبمتابعة حثيثة من سعادة الأمين العام. وتتجلى هذه المسؤولية من خلال ما يضطلع به المجلس من أدوار تشريعية ورقابية تتناول مختلف القضايا المرتبطة بالمرأة والأسرة والحماية الاجتماعية والعمل، بما يعكس اتساع مفهوم التمكين التشريعي للمرأة وتنوع مجالاته؛ من تعزيز الحماية من العنف، ودعم الأسر محدودة الدخل، إلى معالجة أوضاع أبناء البحرينية المتزوجة من غير بحريني، ودعم الجمعيات النسائية والحرف التقليدية، وتيسير المعاملات المتعلقة بالأبناء القاصرين. وهكذا تصبح قاعة البرلمان امتداداً طبيعياً لمسيرة تمكين المرأة.

كما تضطلع لجنة التوازن بين الجنسين بالأمانة العامة برئاسة الدكتور ياسر صقر الشيراوي الأمين العام المساعد للموارد والخدمات بالأمانة العامة لمجلس النواب بدور فاعل في ترسيخ الوعي البرلماني بقضايا المرأة وتعزيز مبدأ تكافؤ الفرص، وتطوير الممارسات المؤسسية الداعمة للتوازن بين الجنسين، إلى جانب نشر الثقافة القانونية والبرلمانية المرتبطة بحقوق المرأة وواجباتها. ويتجسد هذا الدور كذلك من خلال إصدار النشرة الدورية المتخصصة "برلمانيات حواء"، التي وصلت إلى عددها الثاني والعشرين في يوليو 2026، لتواصل رسالتها في التوعية والتثقيف وتسليط الضوء على إسهامات المرأة البحرينية في العمل البرلماني، بما يعكس استمرارية العطاء المؤسسي الداعم للمرأة وتعزيز حضورها في مسيرة العمل التشريعي والوطني. ومن الأدوات المهمة في هذا المجال النشرات والمواد التوعوية البرلمانية التي تسهم في تعريف المرأة بحقوقها الدستورية والقانونية، وتشجيعها على المشاركة في الشأن العام، فضلاً عن الاهتمام بتطوير الكفاءات والقيادات البرلمانية والإدارية النسائية.

- المرأة البحرينية.. إنجازات تعكس مسيرة وطن:

وقد انعكس هذا المسار على حضور المرأة البحرينية في مؤشرات التمكين والمشاركة السياسية والاقتصادية. فوثق تقرير الفجوة العالمية بين الجنسين لعام 2023 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي تقدم مملكة البحرين إلى المرتبة الثانية خليجياً بمعدل بلغ 20% لوصول المرأة إلى مجلس النواب البحريني، ومعدل 25% لتعيين المرأة في مجلس الشورى، وبذلك فقد ارتفع ترتيب مملكة البحرين بمقدار 38 مرتبة على صعيد التمكين السياسي للمرأة لتصل للمرتبة 99 عالمياً، ذلك على مؤشر التقرير الذي يقيس الفجوة العالمية بين الجنسين بهدف تقليصها، وبالتالي تم تحقيق مؤشر التوازن المطلوب على صعيد مشاركة المرأة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة. كما سجلت البحرين معدل 66.6% مقارنةً بالمتوسط العالمي البالغ h في سد الفجوة بين الجنسين بما أدى إلى تحسين ترتيب مملكة البحرين على مستوى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمقدار ستة مراكز ولتحتل مملكة البحرين المركز الثالث على مستوى هذه الدول.

- سيدة البحرين الأولى.. القدوة التي صنعت الفرق:

ولا يعد حضور المرأة البحرينية وليد لحظة واحدة، بل نتيجة تراكم تشريعي ومؤسسي ومجتمعي طويل، كان للمجلس الأعلى للمرأة، برئاسة صاحبة السمو الملكي الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة، دور محوري في توجيهه وترسيخه.

وعندما نتحدث عن المرأة البحرينية اليوم، فإننا لا نتحدث عن امرأة تنتظر أن تُفتح لها الأبواب؛ بل عن شريكة فاعلة في صناعة الإنجاز الوطني؛ امرأة أثبتت حضورها في التعليم والعمل والسياسة والاقتصاد والقضاء والدبلوماسية وحقوق الإنسان، وتبوأت مواقع قيادية، وأثبتت أن الكفاءة والجدارة قادرتان على صناعة الأثر وتحمل المسؤولية..

غير أن وراء هذه المسيرة الممتدة تقف دائماً قدوة وطنية أسست لمنهج متكامل في تمكين المرأة؛ منهج لا يقوم على الشعارات، وإنما يستند إلى التخطيط، والتشريع، وبناء القدرات، وقياس الأثر. وهنا تتجلى مكانة صاحبة السمو الملكي الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة، التي لم تنظر إلى تمكين المرأة باعتباره مشروعاً منفصلاً عن الوطن، بل جعلته جزءاً أصيلاً من مشروع البحرين التنموي. فقد أسهمت سموها في نقل قضية المرأة من دائرة المطالبة بالحقوق إلى رحاب المشاركة الفاعلة في التنمية، ومن التمكين إلى صناعة القرار، ومن الإنجاز الفردي إلى العمل المؤسسي.

وبعد خمسة وعشرين عاماً من العمل المؤسسي للمجلس الأعلى للمرأة، وفي ظل الاحتفاء باليوبيل الفضي لتأسيس المجلس، تأتي هذه المناسبة متزامنة مع مرحلة جديدة عنوانها "السعي نحو الريادة"، لتؤكد أن تمكين المرأة البحرينية لم يكن محطة مؤقتة تنتهي بتحقق مجموعة من المكتسبات، وإنما هو مسيرة وطنية متجددة تتطور بتطور احتياجات المجتمع وطموحات المرأة البحرينية.وإذا كان لكل إنجاز عنوان، فإن للمرأة البحرينية في هذه المسيرة عنواناً يختصر الحكاية كلها: قدوة تُلهم، وكفاءة تُثبت، وتشريع يحمي، ومؤسسة تُمكّن، ووطن يفتح الطريق نحو المستقبل. فكل قانون يُسن برؤية عادلة، وكل سياسة تقوم على تكافؤ الفرص، وكل امرأة تصل إلى موقع من مواقع صنع القرار، تمثل خطوة جديدة نحو بحرين أكثر توازناً وعدالة وازدهاراً.

وهكذا، وبعد خمسة وعشرين عاماً على تأسيس المجلس الأعلى للمرأة، تظل صاحبة السمو الملكي الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة سيدة البحرين الأولى في مسيرة تمكين المرأة، والقدوة الوطنية التي جسدت في عطائها أن نهضة المرأة ليست شأناً نسائياً فحسب، وإنما قضية وطن، ومسؤولية تنموية، وإرث وطني يستحق أن يُصان ويُستكمل جيلاً بعد جيل.