حين تتحول المبادئ إلى أدوات نفوذ في العلاقات الدولية، لم تعد حقوق الإنسان في عالم اليوم مجرد منظومة من القيم التي يفترض أن تقف فوق السياسة، بل أصبحت في كثير من الأحيان جزءاً من أدوات التأثير والضغط وإدارة الصراعات الدولية.
وباسم الحقوق تُفرض العقوبات، وتُمارس الضغوط، وتُبنى الروايات السياسية، وتُصاغ صورة الدول أمام الرأي العام العالمي.
وهنا يبرز السؤال الأكثر حساسية: «ماذا يحدث عندما تتحول الحقوق من معيار عالمي إلى أداة في الصراع السياسي؟».
المشكلة ليست في الدفاع عن حقوق الإنسان، بل في «ازدواجية المعايير».
فإذا كان استهداف المدنيين أو البنية التحتية المدنية انتهاكاً للقانون الدولي عندما يرتكبه خصم سياسي، فلا يمكن أن يصبح مقبولاً أو قابلاً للتبرير عندما يرتكبه حليف أو طرف نحمل تجاهه تعاطفاً سياسياً.
«الحقوق لا تتغير بتغير الراية، والإنسان لا يفقد حقوقه بسبب هوية الدولة التي يعيش فيها».
وفي هذا السياق، تقدم إيران وممارساتها في المنطقة اختباراً واضحاً لهذا التناقض. فبينما يرفع الخطاب الإيراني شعارات السيادة والحقوق ورفض الاعتداء على الشعوب، فإن استهداف أو تهديد الملاحة التجارية في مضيق هرمز، أو المساس بالبنى التحتية والأعيان المدنية لدول الخليج العربي والأردن، يطرح سؤالاً مشروعاً: «كيف يمكن لإيران التي ترفع راية حقوق الإنسان أن تبرر انتهاكها عندما تتعارض مع حساباتها الاستراتيجية؟».
مضيق هرمز ليس مجرد مساحة جغرافية في نزاع سياسي؛ إنه شريان حيوي للتجارة والطاقة العالمية، وأي تهديد للملاحة فيه لا يطال الحكومات وحدها، بل ينعكس على ملايين البشر في الغذاء والطاقة والنقل والاقتصاد.
لكن العدالة تفرض علينا أن نقول بوضوح إن «الانتهاكات الإيرانية لا تقوض الأمن الإقليمي فحسب، بل تمس حقوق ملايين البشر، من خلال تهديد الملاحة والتجارة والطاقة وأمن المجتمعات.
وهنا تكمن أخطر مشكلة تواجه الخطاب الحقوقي اليوم: عندما تتحول الحقوق إلى لغة سياسية انتقائية، فإنها لا تفقد تأثيرها على الحكومات فحسب، بل تفقد ثقة الإنسان نفسه بها.
حجر الزاوية
حجر الزاوية في أي منظومة حقوقية حقيقية ليس عدد التقارير الصادرة، ولا حجم الضغوط السياسية، ولا قوة الجهة التي تتحدث باسم الحقوق؛ بل «قدرتها على تطبيق القانون لدى المجتمع الدولي وحماية تلك الحقوق».
إذا كان قتل المدنيين جريمة، فهو جريمة أياً كان الفاعل. وإذا كانت البنية التحتية المدنية محمية، فهي محمية في كل حرب. وإذا كانت حرية الملاحة حقاً دولياً، فلا يجوز أن تتحول إلى ورقة ضغط بحسب موقع الدولة من خارطة التحالفات.
«الحقوق التي تتغير بتغير المصالح ليست حقوقاً؛ إنها أدوات نفوذ».
ولهذا فإن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى الجميع، حكوماتٍ ومنظماتٍ ووسائل إعلام وقوى دولية، واضحة: «لا تجعلوا الإنسان انتقائياً، ولا تجعلوا القانون رهينة للتحالفات».
فإما أن تكون الحقوق مبدأً واحداً للجميع، أو تتحول من قيمة إنسانية إلى أداة سياسية؛ وعندها لا تكون الضحية الأولى دولةً أو طرفاً، بل تكون الضحية الأولى «مصداقية حقوق الإنسان نفسها».