أكثر ما شدني في كلمة جلالة الملك المعظم، بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف، أنها لم تتوقف عند الاحتفاء بالمناسبة واستذكار السيرة العطرة للرسول الكريم، بل أخذتنا إلى السؤال الأهم؛ كيف نترجم هذه السيرة في حياتنا اليوم؛ كيف نجعل الرحمة تعاملاً، والتسامح علاقة، والعدل ممارسة، والمحبة أسلوب حياة، ونحول كل هذه القيم إلى قوة لبناء الوطن؟

فالسيرة النبوية ليست قصة عظيمة نعود إليها في ذكرى المولد، ثم نغلق صفحاتها، وإنما منهج حياة، وهذا ما عبر عنه جلالة الملك المعظم بوضوح حين قال إن الاحتفاء بهذه المناسبة «لا يكتمل بمجرد استذكار السيرة، بل يتحقق حين نجعل من قيمها نبراساً لسلوكنا، ومن أخلاق المصطفى معياراً لعلاقاتنا وتعاملاتنا»، وأعتقد أن في هذه الكلمات جوهر الرسالة كلها؛ أن أفضل احتفاء برسول الرحمة هو أن نرى شيئاً من أخلاقه في أنفسنا وفي علاقتنا بالآخرين.

ونحن اليوم أحوج ما نكون إلى هذه المعاني، حيث نعيش في عالم أصبح فيه الاختلاف يتحول خلاف، ومنها إلى خصومة، والكلمة إلى أداة للجرح والتحريض، فيما تعيدنا السيرة النبوية إلى الأصل، إلى الرحمة والتآلف والوسطية والاعتدال، وإلى الإنسان الذي يستطيع أن يختلف مع الآخر دون كراهية، وأن يتمسك بقناعاته دون أن ينتقص من غيره، وأن يجعل من الكلمة وسيلة للإصلاح لا باباً للفتنة.

ولعل من أجمل ما حملته كلمة جلالة الملك المعظم أنها ربطت هذه القيم أيضاً ببناء الأوطان وصون المجتمعات، فالمحبة ليست قيمة وجدانية فقط، والتسامح ليس مجرد موقف أخلاقي جميل، والتآخي لا يقتصر على العلاقات بين الناس، فحين تسود هذه القيم يصبح المجتمع أكثر تماسكاً، وحين يشعر الإنسان بأن من يعيش معه شريك له في الوطن، يصبح الاختلاف مصدراً للثراء لا سببًا للفرقة، ومن هنا نفهم عمق قول جلالته بأن من هدي السيرة العطرة «أن تصان الأوطان والمجتمعات من أسباب الفتنة والفرقة، وأن تكون الكلمة أمانةً تحفظ أمن الناس ووحدتهم».

وفي اعتقادي أن الكلمة السامية تجاوزت المناسبة الدينية إلى رسالة إنسانية وحضارية تعبر عن البحرين، ولذلك كان جميلاً وعميقاً أن يصف جلالته أهل البحرين بأنهم «ورثة لهذا القبس النير، وأمناء على قيمه ومبادئه السامية». إنها شهادة اعتزاز ومسؤولية، لأن الأمانة لا تكون بالحديث عن قيم التسامح والمحبة، وإنما بالمحافظة عليها وممارستها ونقلها إلى الأجيال المقبلة.

وربما هذا هو المعنى الذي ينبغي أن يبقى معنا بعد أن تمر ذكرى المولد النبوي الشريف؛ أن نستحضر الرسول الكريم في أخلاقنا قبل كلماتنا؛ في رحمتنا بمن حولنا، وفي تسامحنا عند الاختلاف، وفي صدقنا وأمانتنا، وفي احترامنا للآخر، وفي حرصنا على وحدة مجتمعنا، وفي عملنا وإخلاصنا لوطننا.