في صباح فاطمة الأول، لم أشعر أن باب المدرسة فُتح لها وحدها؛ بدا لي كأن الباب العتيق انشقّ في جدار الزمن، وخرجت منه طفولتنا القديمة، تمشي على أطراف أصابعها، تحمل حقائبها الصغيرة، وتبحث عن مقاعدها التي غطاها الغبار.
رأيتها ترتدي مريولها الجديد، فخُيّل إليّ أن الصباح نفسه وقف أمامها ليعدّل ياقة ثوبها. رتّبت مقلمتها، فتساقطت من بين أصابعها ألوان تشبه شظايا قوس قزح. تفقدت حقيبتها، فإذا بها تبدو ككوكب صغير يحمل داخله دفاتر وأحلاماً لم تُكتب بعد. وحين ربطت شريطتها، شعرت أن يديها الصغيرتين تربطان طرفاً من الماضي بطرف من المستقبل.
في تلك اللحظة، نهضت صباحات بعيدة من نومها.
رأيت أمهات الأمس يوقظن أبناءهن قبل أن تفتح الشمس عينيها، ويجهزن الملابس منذ الليل، ويضعن الدفاتر القليلة في حقائب تشبه صناديق الأسرار. كانت الحقائب آنذاك أقل ازدحاماً، لكنها كانت تتسع لأشياء لا تُرى: خوف صغير، وفرحة كبيرة، وفضول يلمع في العيون.
كان لكل شيء بساطته الساحرة؛ قلم رصاص يبدو كأنه عصا سحرية، وممحاة صغيرة تفوح منها رائحة طفولة لا تُنسى، ومبراة تختفي غالباً قبل نهاية الأسبوع، وكراسات بيضاء تنتظر أول خط، كأنها حقول لم تطأها قدم.
وكان المريول بلونه الواحد يجعل أطفال المدرسة جميعاً أبناء صباح واحد، كأنهم خرجوا من حلم مشترك، أو من حكاية كتبتها يد واحدة ثم وزعتها على البيوت.
ومع ذلك، لم نكن نشعر أننا نفتقد شيئاً.
كان يكفينا أن نرتدي المريول الجديد، وأن نمسك الحقيبة للمرة الأولى، وأن نخرج من البيت ونحن نحمل في صدورنا مزيجاً عجيباً من الفرح والرهبة. كان الطريق إلى المدرسة يتمدد أمامنا مثل نهر طويل؛ فالبيوت تبدو أعلى، والأشجار أكثر غموضًا، والسماء أوسع، والباب المدرسي يشبه بوابة مملكة لا نعرف قوانينها.
كانت الساحة أكبر من قدرتنا على الإحاطة بها، والمعلمة تبدو كأنها تعرف أسرار العالم كلها، أما الجرس فكان يهبط من السماء بصوت معدني، فيوقظ فينا الخوف والدهشة معًا.
واليوم جاءت فاطمة، بأدوات زمنها، لتعيد المشهد ذاته في ثوب جديد.
مقلمتها مليئة بالألوان، كأنها تحمل حديقة صغيرة من الأقلام. دفاترها أكثر جمالاً، وحقيبتها صُممت لعالم تتغير فيه الأشياء بسرعة، عالم تسكنه الشاشات والتقنيات، وتلمع فيه الأدوات كنجوم صغيرة. لكن عيني الطفل لا تتغيران؛ تظلّان نافذتين مفتوحتين على المجهول، ترتجفان قليلاً قبل أن تكتشفا أنه ليس مخيفاً كما يبدو.
دخلت فاطمة فصلها، وكأنها تدخل قارة لم تُرسم بعد على خريطة عمرها.
تأملت المقاعد، والسبورة، ووجوه الأطفال. كانت عيناها تتحركان بين الوجوه كما يتحرك قارب صغير في بحر جديد، تبحثان عن شاطئ آمن، عن ابتسامة تصلح أن تكون جسراً، وعن طفلة تجلس إلى جوارها فتتحول بعد أيام إلى اسم يتكرر في البيت، ثم إلى صديقة، ثم إلى نجمة بعيدة في سماء الذكريات.
وهنا تتشابه الأزمنة أكثر مما نظن.
نحن أيضاً كنا نبحث عن المقعد الذي يشبهنا، وعن رفيقة نشاركها الفسحة، وعن يد صغيرة تمتد نحونا في أول يوم. كنا ننتظر جرس الاستراحة وكأنه باب سري يفتح فجأة على الحرية، ونفرح بعلبة العصير وقطعة الحلوى كما لو أنهما كنزان عثرت عليهما سفينة طفولتنا.
ثم نعود إلى البيت محملين بأخبار عظيمة؛ من جلست بجوارنا، ماذا قالت المعلمة، من بكى، من ضحك، ومن نسي قلمه. كانت تلك التفاصيل الصغيرة تكبر في أفواهنا حتى تصبح حكايات كاملة، نرويها وكأننا عدنا من رحلة إلى آخر العالم.
ربما تغيّر شكل المدرسة، وتبدلت الحقائب، وتكاثرت الألوان، وصارت الأدوات أكثر ذكاءً، لكن قلب اليوم الأول ظل في مكانه، يحرسه طفل صغير لا يكبر.
ما زالت الأم تراقب صغيرها وكأنها تسلمه للحياة للمرة الأولى. وما زال الطفل يمضي بخطوة مترددة، ثم ينسى خوفه حين تعثر عيناه على ابتسامة تستقبله. عندها ينكمش المجهول قليلاً، ويتحول الباب الكبير إلى مدخل عادي، وتبدأ المملكة في كشف أسرارها.
فاطمة في ذلك الصباح لم تكن تعرف أنها لا تدخل فصلاً فقط، بل تزرع في قلبها بذرة ذكرى ستظل تكبر بهدوء في مكان خفي من روحها.
ومع الأيام، ستبتعد تفاصيل ذلك الصباح قليلاً قليلاً؛ قد يبهت لون المقلمة في الذاكرة، وتتغير صورة الحقيبة، وتتشابك أسماء الوجوه الأولى، لكن شيئاً واحداً سيبقى عصياً على النسيان: ذلك الارتباك الجميل عند أول باب، ورائحة الكتب الجديدة، ولمعة السبورة، والدهشة التي جعلت الفصل يومها يبدو كأنه عالم كامل.
ستبقى هناك، في زاوية سرية من روحها، طفلة تحمل حقيبتها وتمشي نحو باب المدرسة، بينما تمشي خلفها شمس صغيرة لا يعرفها أحد.
وما أجمل أن نكتشف، ونحن نراقب أطفال اليوم، أن الزمن مهما أسرع لا يستطيع أن يأخذ كل شيء معه.
إنه يبدّل الأدوات، ويغير الألوان، ويضيف الشاشات والتقنيات، ويعيد ترتيب العالم كل صباح، لكنه يقف عاجزاً أمام بعض المشاعر القديمة؛ تلك التي لا تحتاج إلى حقيبة، ولا إلى دفتر، ولا إلى شاشة كي تعيش.
فرحة أول مريول.
رهبة أول باب.
فضول أول فصل.
والبحث الأول عن قلب صغير نصادقه.
ولهذا، حين مشت فاطمة في صباحها الأول، بدا لي المشهد كأن طفولتنا كلها خرجت من مرايا الزمن، ومشت خلفها للحظات؛ طفولتنا بأحذيتها القديمة، وحقائبها البسيطة، وأحلامها التي لم تكن تعرف أسماءها بعد.
نحن بأدوات الأمس، وهي بأدوات اليوم.
نحن نحمل الذكرى، وهي تحمل البداية.
وبيننا سنوات طويلة من التغيير، لكنها لم تكن كافية لتطفئ ذلك الضوء الصغير الذي يشتعل في قلب كل طفل عند أول خطوة نحو المدرسة.
أما الفرحة؟
فبقيت هي ذاتها.. طفلةً لا يكبر عمرها أبداً.
وفليحفظ الله فاطمة، وليحفظ معها تلك الأحلام الصغيرة التي حملتها إلى المدرسة من غير أن تعرف بعد كم ستكبر. وليجعل في كل باب تفتحه نوراً، وفي كل طريق تمشيه حكاية أجمل، وفي كل عام يمر بها زهرة جديدة تضاف إلى عمرها.
ولتظل أحلامها تمشي إلى جوارها، تكبر معها خطوةً خطوة، حتى يأتي يوم تنظر فيه إلى أول مريول وأول حقيبة وأول فصل، فتدرك أن كل تلك الأشياء الصغيرة كانت بداية الطريق إلى حياة كاملة.