حتى أضعكم في قلب المشهد، وأعطيكم تصوراً دقيقاً إلى أين وصل بنا الذوق العام في المجتمع الافتراضي سأقدم لكم نموذجاً حقيقياً وواقعياً حدث معي شخصياً خلال الأيام الماضية. فبينما كنت أقلب في مقاطع «الريلز» وهو إدمان العصر الذي لم يسلم منه أغلب مستخدمي منصات التواصل الاجتماعي ظهر لي مقطع يطرح فيه أحدهم سؤالاً يقول من فقد أباه يسمى يتيماً، ومن فقد أمه يسمى لطيماً فماذا يسمى من فقد كليهما.

كانت إجابات المعلقين تدور في فلك القافية التي تنتهي بحرفي الياء والميم وشخصياً حاولت البحث عن كلمة تناسب هذا الوزن العشوائي، فلم يخطر في بالي وسط هذا الزخم سوى كلمة «عسكريم». أعلم يقيناً أنها إجابة حمقاء ولا علاقة لها بالسؤال أو الموضوع من قريب أو بعيد لكني لا أعلم حقيقةً كيف كتبتها في لحظة شرود، ثم تجاوزت المقطع، ونسيت الأمر برمته لعدة أيام.

والعجيب في الأمر والصادم حقاً أنني حين عدت لتفقد الإشعارات وجدت أن التفاعل على إجابتي الساذجة قد فاق التفاعل على المنشور الأصلي نفسه. لقد حصدت كلمة «عسكريم» أكثر من 54 ألف إعجاب، وتجاوزت الردود عليها الألف رد. تسمرت مكاني لبرهة وأنا أتساءل بذهول على ماذا كل هذا التفاعل وعلى أي شيء يتهافت هؤلاء. الجواب ببساطة كان على أمر سخيف وكلمة لا تحمل أي معنى أو قيمة في سياقها.

نعم لقد أصبحت مشهوراً بسبب عسكريم. أفكر في نفسي وأقول، لقد أمضيت أنا وغيري سنواتٍ طوالاً نكتب ونقدم مادةً جادةً عن المجتمع وعن الوطن وعن الإنسان وهمومه وعن الاقتصاد، ولم أجد يوماً كل هذا الحجم من الانتشار والزخم العابر للحدود كما حدث مع هذا الأمر التافه الذي ارتكبته. لا أقول إنني فخور بتلك الكلمة التي ألقيتها ولست بنادم عليها أيضاً فهي في الأخير أوضحت لي، وأكدت بالدليل القاطع كيف وصل بنا الحال في هذا المجتمع الرقمي الغريب الذي باتت أكبر اهتماماته محصورة في «الوناسة». وهو السر الذي فهمه الغرب وصناع المحتوى لديهم سريعاً، وأدركوا أن الأسلوب الأوحد للانتشار وجذب المتابعين وحصد المشاهدات المليونية هو تقديم محتوى ترفيهي فارغ يعتمد على الإضحاك والعبث.

لذلك لا عجب اليوم أن نرى بعض أصحاب المحتوى الهابط وغير الهادف يتربعون على رأس قائمة المطلوبين والمؤثرين في مواقع التواصل الاجتماعي. ومن هنا فصاعداً لن أستغرب أبداً لماذا يذل صانع المحتوى نفسه ويضعها في أبشع المواقف المنحطة فقط ليصنع ترنداً عابراً. لن ألوم بعد اليوم ذلك الذي يتشبه بالنساء، ويتجمل ولن ألوم من يرقص ويتمخطر أمام الكاميرات بلا حياء. فهذا ببساطة هو ما يريده المشاهدون للأسف وهم الملومون أولاً وأخيراً في صناعة هذا الانحدار وتتويج هؤلاء التوافه.