قمة في الذكاء والدبلوماسية والتركيز على البعد الإنساني الذي يجمع الشعوب.

وهنا أعني حديث جلالة الملك المعظم، حفظه الله ورعاه، في أثينا عن «تايلوس»، الحضارة التاريخية الثانية لـ«دلمون»، والتي كانت أرض البحرين الخالدة موطناً لهما.

الملك حمد، الذكي دائماً في حديثه، كان يعيد العلاقة بين البحرين واليونان إلى زمن أبعد بكثير من العلاقات الدبلوماسية الحديثة، حين عرف الإغريق هذه الجزر الجميلة قبل أكثر من ثلاثة وعشرين قرناً، وقتها كان اللقاء بين حضارة دلمون والعالم الإغريقي واقعاً ترك آثاره في أرض البحرين وشعبها.

هذا بالضبط ما أشار إليه جلالته حين قال إن ما يجمع البلدين أقدم مما تحفظه الوثائق وكتب التاريخ، وهنا نجد أمامنا قصة مميزة من قصصنا التاريخية التي تستحق أن تروى.

المصادر الأثرية البحرينية تشير إلى أن إحدى البعثات البحرية الاستطلاعية التي أرسلها الإسكندر الأكبر وصلت إلى تايلوس نحو عام 325 قبل الميلاد.

وبعد ذلك دخلت البحرين ضمن فضاء التأثير الهلنستي، وشهدت في القرنين الثالث والثاني قبل الميلاد مرحلة ازدهار في ظل النفوذ السلوقي.

لذلك فإن الحديث الأدق عن وصول إحدى بعثات الإسكندر الأكبر إلى «دلمون»، ثم عن مرحلة طويلة من التواصل والتأثير السياسي والتجاري والثقافي مع العالم الهلنستي.

هناك تفصيلة جميلة مازالت حاضرة معنا حتى اليوم. الإغريق عرفوا جزيرة المحرق باسم «أرادوس»، والمصادر البحرينية الرسمية تربط اسم منطقة «عراد» الحالي بذلك الاسم القديم. أي أننا نتحدث عن اسم بقي يعيش على ألسنة البحرينيين إلى يومنا هذا.

الأهم أن البحرين في تلك الحقبة حافظت على شخصيتها الدلمونية وهي تتفاعل مع الحضارة الإغريقية. الآثار المكتشفة تظهر التأثير الهلنستي في النحت والفخار والعملات، بل وتشير إلى استخدام اللغة اليونانية لدى بعض سكان تايلوس، لكن في المقابل استمرت المعتقدات والعادات المحلية، وخاصة طقوس الدفن، بصورة واضحة.

هيئة البحرين للثقافة والآثار تصف تلك الثقافة بأنها كانت منفتحة على محيطها الهلنستي، بينما تكشف المدافن والشواهد الجنائزية عن استمرار قوي للتقاليد المحلية.

أخذ أهل البحرين مما وصل إليهم، لكنهم ظلوا أصحاب حضارتهم وهويتهم.

من هنا يمكن فهم لماذا اختار جلالة الملك هذه الزاوية تحديداً خلال زيارته الرسمية لليونان. بدأ من الحضارة، ثم انتقل إلى التنوع والحوار بين الثقافات والأديان، وبعدها وصل إلى الحاضر وما يواجهه العالم والمنطقة من تحديات.

هذه الطريقة في تقديم العلاقة بين الشعوب لها معنى عميق جداً. سنجد أن البحث عن القواسم المشتركة قبل الحديث عن المصالح والتباينات ووجهات النظر هو ما يجعل التاريخ جسراً للحاضر، وليست فقط حكاية قديمة نستعيدها بكل شغف.

من يقرأ بعمق كلمة جلالة الملك في أثينا يجد هذه الفكرة واضحة جداً، فالبحرين واليونان بينهما شيء أقدم بكثير.

هناك دلمون وتايلوس وأرادوس، وهناك لقاء حضاري بقيت آثاره أكثر من ألفي عام.

ما بدأه التاريخ بين الحضارتين، جاءت زيارة أثينا لتعيده إلى الواجهة من جديد؛ هذه المرة بلغة الدول ومصالح الشعوب، لكن على أرضية صنعها الإنسان قبل قرون طويلة.

لكن يظل الفارق في الموضوع كله، هو دراسة التركيبة الذكية لهذا الرجل العظيم، جلالة الملك، والذي حينما يتكلم في أي موقع أو محفل، تجد في كلمته دروساً في القيادة والسياسة وفي التعايش بين الحضارات والشعوب.

حفظ الله مدرستنا الإدارية والدبلوماسية الراقية، حفظ الله ملكنا حمد بن عيسى.