في تاريخ الأوطان، لا تُقاس المؤسسات بعدد الأعوام، بل بعدد الأبواب التي فتحتها، والعقول التي غيّرتها، والحقوق التي نقلتها من هامش التمنّي إلى صلب الواقع. ومن هذه الزاوية، لا يبدو اليوبيل الفضي للمجلس الأعلى للمرأة احتفالاً بمؤسسة بلغت عامها الخامس والعشرين، بل قراءةً في ربع قرن أعادت فيه البحرين تعريف موقع المرأة في الدولة والمجتمع.
حين أُنشئ المجلس في 22 أغسطس 2001، لم يكن السؤال: كيف نمنح المرأة مقعداً؟ بل كيف نجعل غيابها عن أي مقعد خسارةً للوطن؟ هنا تكمن الفكرة الأعمق في المشروع؛ فالتمكين ليس منحةً يقدمها طرف إلى آخر، وإنما تحريرٌ لطاقة وطنية كانت التنمية ستظل ناقصةً من دونها.
وبقيادة صاحبة السمو الملكي الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة، قرينة ملك البلاد المعظم رئيسة المجلس الأعلى للمرأة، انتقل ملف المرأة من الأمنيات إلى الخطط، ومن الاحتفاء الموسمي إلى البناء المؤسسي. لقد أدركت سموها أن النيات النبيلة لا تصنع تحولاً ما لم تتحول إلى تشريع، وميزانية، وفرصة، وآلية تقيس الأثر وتحرس المكتسب.
وهكذا أصبحت لجان تكافؤ الفرص، والخطة الوطنية للنهوض بالمرأة، وقوانين الأسرة والحماية من العنف الأسري، وبرامج الاستقرار العائلي ودعم رائدات الأعمال، أجزاءً من هندسة واحدة: امرأة قوية داخل أسرة مستقرة، وشريكة في اقتصاد منتج، وصوت حاضر في القرار. ولم تعد الأرقام زينةً في تقرير؛ فوجود نحو 28 ألف بحرينية في القطاع الحكومي والرسمي، بنسبة بلغت 55% عام 2024، ووصول البحرينية إلى رئاسة الجمعية العامة للأمم المتحدة، والبرلمان والقضاء والدبلوماسية وقيادة الأعمال، يعني أن الفكرة غادرت الورق ومشت في مؤسسات الدولة.
ولعل أصدق ما كشفته الشهادات التي ازدحمت بها الصحافة المحلية أن أثر المجلس لم يعد شأناً نسائياً منفرداً؛ فقد تحدثت عنه قيادات من السلطتين التشريعية والقضائية، ومن الاقتصاد والإعلام والرياضة، باعتباره مكسباً وطنياً عاماً. وهذه نقطة تستحق الوقوف: حين ينجح مشروع المرأة، لا تربح النساء وحدهن، بل تكسب الأسرة دخلاً ومعرفة، وتكسب المؤسسة كفاءة، وتكسب الدولة نصف طاقتها الذي لا يجوز تعطيله أو إبقاؤه خارج مسار المستقبل الوطني.
أما البعد العالمي، فتجسده جائزة الأميرة سبيكة العالمية لتمكين المرأة، التي حملت التجربة البحرينية إلى فضاء الأمم المتحدة، لتقول إن الدولة الصغيرة تستطيع أن تقدم فكرةً كبيرة حين تمتلك وضوح الرؤية واستمرارية العمل. لقد أصبح اسم البحرين حاضراً لا بوصفه متلقياً لنماذج الآخرين، بل شريكاً في صياغة نموذج قابل للحوار والاقتباس.
غير أن الوفاء لهذا الإنجاز لا يكون بكثرة المديح، بل برفع سقف السؤال: أين ستكون المرأة البحرينية في اقتصاد الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والتقنيات الخضراء، وصناعة المعرفة؟ فالمكتسب الذي لا يتجدد قد يتحول إلى ذكرى جميلة.
بعد خمسة وعشرين عاماً، لم يعد المطلوب أن نثبت أن المرأة قادرة؛ فقد حسمت البحرينية ذلك بالفعل. المطلوب أن نحمي قدرتها من الهدر، وأن ننقلها من المشاركة إلى صناعة الاتجاه. فالمجلس الأعلى للمرأة لم يبنِ سلّماً تصعده النساء وحدهن؛ بل رفع سقف البحرين كلها. وتلك هي البصمة التي تستحق أن تبدأ منها الأعوام الخمسة والعشرون المقبلة.