فيصل الشيخ

هناك رقم صرح به الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يستحق التوقف أمامه.

قال إن إيران استطاعت بيع قرابة 90 مليون برميل من النفط خلال الفترة القصيرة التي جرى فيها تنفيذ مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة في يونيو. وهنا نتحدث عن قرابة 18 مليار دولار.

وفي التصريحات نفسها يقول بزشكيان إن الصادرات والواردات الإيرانية تراجعت بنحو 35%، وإن الاقتصاد يعاني آثاراً من العقوبات والحصار. ثم نسمع أن الحكومة الإيرانية تفكر في رفع أسعار البنزين، والتقارير تقول إن التضخم السنوي بلغ 66%. وضعوا فوق ذلك ما ينشر نقلاً عن مواطنين إيرانيين يقولون إن دخلهم لم يعد يغطي الطعام والإيجار والدواء.

أين تذهب أموال إيران من بيع النفط بالتحديد؟!لا توجد أمامنا وثيقة تثبت أن عوائد الـ90 مليون برميل التي تحدث عنها بزشكيان ذهبت تحديداً إلى الحرس الثوري، لكن في المقابل، هناك حقيقة أخرى موثقة؛ إذ المؤسسة العسكرية الإيرانية لديها بالفعل شبكاتها ومساراتها الخاصة المرتبطة ببيع النفط وتحويل عوائده.

وزارة الخزانة الأمريكية أعلنت في مايو عقوبات على أفراد وكيانات قالت إنهم يمكّنون الحرس الثوري من بيع وشحن النفط الإيراني إلى الصين عبر شركات تعمل كواجهة. وقالت الوزارة صراحة إن هذه العوائد، بحسب تقييمها، تستخدم في تطوير الأسلحة ودعم الوكلاء وتمويل الأجهزة الأمنية التي تقمع المواطنين. وبعد ذلك بأسابيع أعلنت الخزانة إجراءات إضافية ضد ما وصفته بـ«مبيعات النفط العسكرية الإيرانية»، وقالت إن الجيش الإيراني يحقق عائدات من بيع الخام عبر شركات واجهة للمساعدة في إعادة بناء قدراته العسكرية.

هذه معلومات صادرة عن الحكومة الأمريكية، لكنها تضع أمامنا حقيقة مهمة. النفط الإيراني ليس مجرد مورد اقتصادي طبيعي يدخل خزينة واحدة ثم يوزع بشفافية عبر ميزانية واحدة. هناك اقتصاد رسمي، وشبكات ظل، ومؤسسات عسكرية، وشركات واجهة، ومسارات خارجية متشابكة.

المؤسسة العسكرية لديها شبكات نفطية تدر عليها عائدات، في المقابل تدعو عبر المرشد الذي لم يظهر حتى الآن، مواطنيها إلى التقشف والصبر.

إذا باعت إيران 90 مليون برميل في فترة قصيرة، مثلما قال الرئيس، فأين أثر هذه الأموال على الداخل الإيراني؟!المؤشرات الاقتصادية تعطينا إجابات صريحة على زيادة المعاناة والصعوبات المعيشية التي يواجهها الشعب هناك، ويؤكدها كلام الرئيس الإيراني نفسه، والذي وصل لمرحلة هاجم فيها الإعلام الإيراني الرسمي الذي يصور الأمور بوجه مخالف للواقع، بل اعترف بزشكيان بأن هذا الإعلام المدار من الأجهزة العسكرية يقرر حتى فيما ينشر من تصريحات الرئيس أو لا!!

هذا النظام أبداً لم يكن شعبه من أولوياته، بل مارس القتل والتنكيل فيما ولايزال، ولكم تخيل أن الأجهزة العسكرية في إيران تقبل بأن تلقي بفتات من الأموال على أذرعها وعملائها ومشاريعها الإرهابية، في مقام يأتي قبل أن تصرف العوائد المالية على شعبها.

يتحدث بزشكيان عن الاقتصاد المنهك، في المقابل نسمع من قادة المؤسسة الأمنية والعسكرية خطاباً مختلفاً. محسن رضائي، الأمين الجديد للمجلس الأعلى للأمن القومي والقائد السابق للحرس الثوري، هدد مؤخراً بأنه إذا استمرت «الحرب الاقتصادية» فلن تخرج قطرة

نفط واحدة من الخليج.

النظام الإيراني يريد من العالم أن يتعاطف مع الأثر الإنساني للعقوبات، وهناك بالفعل أثر إنساني لا يجوز إنكاره، والناس العاديون هم أول من يدفع ثمنه. لكن في الوقت نفسه، من حق العالم ومن حق الإيراني نفسه أن يسأل، ماذا فعل النظام بالأموال عندما كانت تدخل؟! وماذا فعل بعوائد النفط؟! وكم منها ذهب إلى اقتصاد السلاح ودعم الأذرع والميليشيات وخونة أوطانهم التابعين للحرس الثوري وفروعه؟!

إيران ليست بلداً فقيراً في الموارد. هي دولة غنية لكن شعبها يدفع ثمن مشروع سياسي جعل بقاء النظام وقوته العسكرية في مقام أول عليه.

فقط 90 مليون برميل نفط في شهر واحد، وهنا تخيلوا طوال هذه العقود مليارات النفط الإيراني أين كانت تذهب؟!ستجدون مليارات في حسابات علي خامنئي نفسه وأبنائه على رأسهم مجتبي، وهناك مليارات صُرفت في مشاريع التسلح وتغذية الميليشيات وصناعة الشبكات، وكذلك ملايين في جيوب قياديي العسكر بالأخص الحرس الثوري وفروعه من قوات الباسيج وفيلق القدس، وطبعاً حزب الله.

أما الشعب، فلا تسألوا عنه المعارضة الإيرانية أو المهجرين في الخارج، اسألوا الذين في الداخل، الذين يموتون من الفقر والمعاناة، ووظيفتهم المطلوبة منهم قسراً، أن يهللوا لهذا النظام ويكونوا «دروعا بشرية» لرموزه، مثلما فعلوا سابقاً، وطلب منهم مؤخراً.