قبل نحو تسعين عاماً، كان في قرى البحرين رجل يعرف أهل الديرة ويعرفونه، يسمع أخبارهم واحتياجاتهم، ويتابع شؤون القرية، ويحمل ما يستدعي منها إلى الحكومة، ذلك الرجل كان «المختار».

وتشير الكتابات التاريخية إلى تعيين المخاتير في البحرين منذ عام 1936م في عهد الشيخ حمد بن عيسى بن علي آل خليفة، رحمه الله، وطيب الله ثراه، ثم تطور تنظيم عملهم خلال الخمسينيات مع دائرة الشؤون القروية، وتكشف إحدى الوثائق المؤرخة في عام 1957م عن توجه حكومة البحرين آنذاك إلى تعيين مخاتير في القرى، بهدف إيجاد اتصال مستمر بين سكانها والحكومة، وذلك مقابل مئة روبية شهرياً، وحددت الرسالة الغاية من المشروع في إيجاد اتصال مستمر بين سكان القرى والحكومة.

كانت البحرين وقتها تتوسع في بناء مؤسساتها، وكانت القرى تحتاج إلى شخص قريب من أهلها يستطيع نقل احتياجاتهم ومتابعة شؤونهم، ومن هنا أخذ المختار مكانته في الحياة المحلية، مستنداً إلى معرفته بالمنطقة وبالناس الذين يعيشون فيها.

مرت العقود وتغيرت صورة البحرين، فاتسعت المدن، وتطورت مؤسسات الدولة، وجاء نظام المحافظات والمجالس البلدية، ثم حملت الهواتف جانباً كبيراً من الخدمات الحكومية، وفي أغسطس الماضي عاد اسم «المختار» إلى المشهد مع صدور المرسوم بقانون رقم (38) لسنة 2026 بتعديل قانون المحافظات، ونص على وجود مختار أو أكثر لكل محافظة، فيما ستحدد اختصاصاته ومهامه بقرار من وزير الداخلية، وعودة المختار بعد كل هذه السنوات تفتح سؤالًا يستحق التفكير، ما الذي يمكن أن يضيفه إلى منظومة الإدارة المحلية اليوم؟ والإجابة ربما تبدأ من الكلمة التي صنعت دوره قديماً، وهو القرب.

فالبيانات تستطيع أن تقدم صورة واسعة عن المنطقة، والمنصات الحكومية تستقبل الطلبات والملاحظات بسرعة، ويضيف المختار معرفة يومية بالتفاصيل التي تدور داخل الفريج، ويعرف كبار السن، ويسمع حديث المجالس، ويرى احتياجات المنطقة أثناء تشكلها، ويستطيع أن يلتقط بعض القضايا في بدايتها، ويوصلها إلى المكان المناسب.

هذه المعرفة كانت رأس مال المختار قديمًا، وقد وصف عادل آل صفر، آخر مختار للمنامة، مجلس المختار بأنه كان مفتوحاً للأهالي، يأتون إليه باحتياجاتهم ومشكلاتهم، وكان يتولى متابعتها مع الجهات المعنية، فالمختار كان حاضراً بين الناس، يسمع منهم مباشرة ويعرف شؤون منطقته، وهذا ما منحه مكانته ودوره في ذلك الوقت.

اليوم تملك البحرين منظومة حكومية أكثر تطورًا وقدرة على الوصول إلى المواطن، وعودة المختار يمكن أن تضيف إليها مساحة أخرى من التواصل المباشر، فالتقنية تمنح الخدمة سرعتها، والخبرة المحلية تمنح المسؤول فهماً أدق للمكان الذي تصل إليه تلك الخدمة.

وسوف تتضح ملامح التجربة الجديدة بصورة أكبر مع صدور القرار المنظم لاختصاصات المختار ومهامه، وهنا تبدو أمامنا فرصة لاستعادة أفضل ما في التجربة البحرينية القديمة وتقديمه بصورة تناسب الدولة الحديثة؛ مختار قريب من الناس، يعمل داخل منظومة المحافظات، ويتكامل مع المؤسسات والمجالس والقنوات الحكومية القائمة.

تغيرت الديرة كثيراً خلال تسعين عاماً، وتغير معها شكل الدولة وأدواتها واحتياجات الناس، ومع ذلك بقيت قيمة القرب حاضرة في الإدارة والمجتمع، ولهذا ربما يكون السؤال الذي يستحق أن نطرحه مع عودة المختار بسيطاً جداً:

مَن يعرف أهل الديرة؟