المستشار عبدالمنعم محمد العيد

يبقى عصر التحالفات الدولية والإقليمية مطلباً حاضراً في المشهد الإقليمي الجديد الذي لم يعد يحتمل الاكتفاء بتحالفات ثنائية متفرقة كما كانت في السابق، بل يتجه نحو بناء شبكة دفاعية أمنية إقليمية على مستويات متعددة، تكون مهمتها الأساسية الردع ومنع التوسع، والدفاع عن أي اعتداء على دول المنطقة، مع بقاء باب الدبلوماسية مفتوحاً يتمتع بالمرونة.

إن هذا الاتجاه بدأ فعلاً، ففي 7 من أغسطس 2026م وقّعت المملكة العربية السعودية وجمهورية تركيا والجمهورية الباكستانية «اتفاق مكة للدفاع المشترك»، والذي ينص على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد هجوماً عليها جميعاً، مع تعزيز التعاون الدفاعي.

كيف يمكن تطوير هذا المشهد إلى قوة ردع حقيقية؟من رأيي الشخصي أن يكون هناك نموذج أكثر فاعلية يمكن أن يقوم على مجموعة من المعطيات والحزم المتكاملة، ومنها:الحزمة الأولى النواة الصلبة، وهذه هي النواة التي يمكن البناء عليها واعتبارها نقطة انطلاق، وتتمثل في الثقل الاقتصادي والجغرافي، وامتلاك القوة العسكرية والصناعات الدفاعية المتقدمة، والعمق العسكري الاستراتيجي. لذلك فإن قيمة الاتفاق ليست في حجم القوات فقط، بل في تغيير حجم الحسابات لدى الخصم قبل اتخاذ أي قرار حول التصعيد.

الحزمة الثانية توسيع مظلة التحالفات، والتي ينبغي أن تنتقل من التنسيق الدفاعي إلى المنظومات الدفاعية ونركز هنا على منظومة دفاع جوي صاروخية ومعلوماتية واستخباراتية متكاملة، لكي تشمل الإنذار المبكر، ومراقبة المجال الجوي والبحري، وحماية المنشآت الحيوية، والأمن السيبراني، وذلك حسب ما تتطلبه المرحلة الحالية بموجب الموقف والمعطيات.

ومن هنا تحديداً تصبح دول الخليج العربي أطرافاً مهمة في التحالفات القادمة.الحزمة الثالثة إنشاء محور بحري أمني، في ظل أهمية مضيق هرمز وباب المندب والبحر الأحمر، وعليه مطلوب منظومة مشتركة لحماية كلاً من، الملاحة الدولية، ناقلات الطاقة، الموانئ والمنشآت النفطية، الكابلات البحرية، وخطوط الاتصالات، والممرات البحرية في الخليج العربي وبحر العرب والبحر الأحمر.

وهذا يتوافق مع الاتجاه الذي نادت به المملكة العربية السعودية حول تشكيل تعاون بحري متعدد الأطراف لحماية طرق التجارة في البحر الأحمر.

الحزمة الرابعة بناء قوة معلوماتية استخباراتية مشتركة، وأعتقد بأن هذه لربما تكون أهم حلقة في منظومة الردع، فالردع الحديث لا يبدأ بالمعدات العسكرية، بل يبدأ بـالمعلومة، لذلك يمكن إنشاء مراكز إقليمية مشتركة للإنذار المبكر وتبادل المعلومات، لمراقبة كلاً من:تحركات الصواريخ والطائرات المسيّرة، ونشاط الجماعات المسلحة التي تهدد المنطقة والمرتبطة بتنظيمات إرهابية، والتهديدات السيبرانية، والتحركات البحرية، والحملات الإعلامية المضللة، والمؤشرات المبكرة لأي تصعيد.

وبذلك تصبح المنطقة قادرة على الانتقال من رد الفعل إلى الاستباق الدفاعي.الحزمة الخامسة المسار الاقتصادي والدبلوماسي، ومن هنا أرى أن يكون للتحالفات دور أصيل في هذا المجال، ولا يكون تحويل التحالفات إلى إطار عسكري فقط، لأن الضغط الحقيقي على كل من يهدد أمن الخليج العربي يجب أن يكون متعدد.

لعل هذا ما يفسر حرص قادة دول الخليج العربي في الحفاظ على المنظومة الدفاعية الأمنية وجعلها مستمرة وقائمة، وذلك لتجنب الحروب الجديدة والتهديدات، وتداعياتها على الأمن القومي الخليجي الاستراتيجي واستقرار المنطقة، وتجنب الآثار التي قد تلحق بها، ومن هنا يأتي تفعيل دور الاتفاقيات الخليجية للدفاع المشترك بصورة أكبر.

حفظ الله خليجنا وقادتنا والشعوب الوفية من كل شر ومكروه.