عندما يغادر قائد حكم بلاده لعقود طويلة، يتجه الاهتمام عادة إلى هوية الخليفة وبرنامجه السياسي. لكن في الحالة الإيرانية، يبدو السؤال الأكثر أهمية مختلفاً: ماذا ورثت إيران بعد خامنئي؟ والأهم من ذلك، ماذا ورثت المنطقة من السياسات التي ارتبطت بهذه المرحلة؟
فعلى مدى عقود، لم تسعَ إيران إلى بناء نفوذ تقليدي قائم على العلاقات الدبلوماسية أو المصالح الاقتصادية المشتركة، بل تبنت نموذجاً يقوم على توسيع النفوذ عبر حلفاء محليين وتنظيمات مسلحة وشبكات تأثير عابرة للحدود.
وقد منحها هذا النهج حضوراً واسعاً في عدد من الدول العربية، لكنه في المقابل ترك وراءه واقعاً إقليمياً أكثر هشاشة وأكثر انقساماً وأكثر عرضة للصراعات. في لبنان، لم يكن الثمن مجرد اختلال في التوازن السياسي، بل تراجعاً مستمراً في قدرة الدولة على احتكار القرار السيادي.
وفي العراق، ساهم تضخم نفوذ الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاور الإقليمية في تعقيد مشروع بناء الدولة الحديثة وترسيخ سلطة المؤسسات.
أما سورياً، فقد تحولت إلى ساحة مفتوحة لصراعات إقليمية ودولية دفعت كلفتها أجيال كاملة من السوريين. وفي اليمن، لم تعد الأزمة مجرد نزاع داخلي، بل أصبحت تهديداً مباشراً للأمن الإقليمي والملاحة الدولية واستقرار المنطقة بأسرها.
لقد نجحت إيران في بناء نفوذ واسع، لكنها فشلت في إقناع كثيرين بأن هذا النفوذ جلب استقراراً للدول التي تمدد إليها.
فبعد سنوات طويلة من التدخلات والصراعات، تبدو الحصيلة واضحة: دول أضعفتها الانقسامات، ومجتمعات استنزفتها الأزمات، وفرص تنموية ضاعت تحت وطأة الصراع المستمر.
والأخطر من ذلك أن الإرث لم يقتصر على الجماعات المسلحة وحدها، بل امتد إلى ملفات أمنية معقدة تمثلت في كشف شبكات وخلايا تجسس وارتباطات سرية أعلنت عنها عدة دول عربية خلال فترات مختلفة.
وهذه القضايا، بصرف النظر عن تفاصيلها القانونية والسياسية، أسهمت في تعميق فجوة الثقة بين إيران ومحيطها العربي، ورسخت قناعة لدى كثير من دول المنطقة بأن التهديد لا يأتي فقط من الصواريخ والطائرات المسيّرة، بل أيضاً من محاولات التأثير داخل المجتمعات والدول من الداخل.
اليوم، لا ترث القيادة الإيرانية الجديدة نفوذاً فقط، بل ترث أيضاً إرثاً ثقيلاً من الشكوك والصراعات والخصومات المتراكمة. وترث واقعاً إقليمياً بات أكثر حساسية تجاه أي مشروع يقوم على تصدير النفوذ أو توظيف الانقسامات الأيديولوجية والطائفية لتحقيق مكاسب سياسية.
- حجر الزاوية: إذا كانت إيران قد نجحت خلال العقود الماضية في توسيع دائرة نفوذها، فإن السؤال الذي سيحدد مستقبلها الإقليمي ليس حجم ما تملكه من أوراق قوة، بل حجم استعدادها لمراجعة السياسات التي أنتجت هذا الإرث الثقيل.
لقد أثبتت التجربة أن النفوذ الذي يُبنى على الجماعات المسلحة، والانقسامات الطائفية، والصراعات المفتوحة قد يحقق مكاسب مؤقتة، لكنه لا يصنع استقراراً دائماً. كما أثبتت أن الدول لا تُقاس بقدرتها على خلق بؤر نفوذ خارج حدودها، بل بقدرتها على بناء علاقات قائمة على الاحترام المتبادل وسيادة الدول وحسن الجوار.
هذا هو حجر الزاوية في المرحلة المقبلة. فإما أن تتعامل إيران مع إرث العقود الماضية باعتباره نموذجاً يجب استمراره مهما كانت كلفته، وإما أن تدرك أن المنطقة تغيرت، وأن شعوبها لم تعد تبحث عن محاور وصراعات جديدة، بل عن أمن واستقرار وتنمية.
وعندها فقط سيتضح ما إذا كانت مرحلة ما بعد خامنئي تمثل بداية مراجعة حقيقية، أم مجرد استمرار لسياسات صنعت نفوذاً واسعاً، لكنها تركت وراءها أزمات أوسع.