في مسير الحياة، وبعد تقدّم سنوات العمر، نظن أن ما وصلنا إليه من تميّز وارتقاء ونجاح، وما اتخذناه من قرارات حاسمة، وما قمنا به من مشروعات ناضجة، إنما هو بمحض إرادتنا وحدنا. ولكن حين نمعن النظر، ونتأمل مواقف الماضي، وسنوات العطاء والتربية منذ الصغر، نكتشف أن هناك أثراً في مساحات وجداننا وأفئدتنا تركه آخرون مرّوا خفافاً مؤثرين في حياتنا؛ فهناك كلمة مؤثرة قيلت في حينها، وحكمة بالغة تعلّمناها من المواقف، ونصيحة غيّرت من مسارات حياتنا، وأيادٍ حانية امتدت إلينا في أوقات الشدة والرخاء، وكنا في أمسّ الحاجة إليها حتى نكون تلك الصورة الجميلة التي وصلنا إليها.

لم نصنع شخصياتنا وحدنا، ولم نزرع بذور الخير وحدنا؛ ففي داخل كل فرد منا لمحات جميلة من أبٍ مكافح علّمنا تحمّل المسؤولية وحب الكفاح، ومن أم حنونة كانت لنا دفئاً وسنداً نرجع إليها في أوقات الشدة، ومن زميل نبيل الأخلاق والوفاء، ومن أشخاص عبروا محطات حياتنا سريعاً، ولكنهم تركوا فيها مساحات كبيرة من الأثر، وغرسوا فينا قيماً، وغيّروا مفاهيم ونظرتنا إلى الحياة. كلهم عبروا أيام حياتنا؛ فمنهم من علم بذلك، وتذاكر معك صور الذكريات، ومنهم من مضى دون أن يعلم أنه غيّر في نفسك الكثير، وترك في حياتك أثراً بالغاً.

البعض يعتقد أننا إن كرّرنا سطورنا عن هذه المعاني، وعن هؤلاء الذين يسكنون الفؤاد بأثرهم، فإنما نبالغ في المشاعر، في حين أن مشاعر الحياة إنما تتجدد بتجدد المواقف، ومن النبل والوفاء أن نستذكر هذه الظلال الوارفة.

خالقي ومولاي سبحانه هو أول أثر في حياتي؛ أكرمني بدين الإسلام، ووفقني للاستقامة، ودلّني على محطات الخير، وسخّرني لعبادته وخدمة دينه. أكرمني بأن جعلني خليفة في هذه الأرض، وهي أول مسؤولية تعلّمتها، ويقشعر بدني كلما تذكرتها؛ أن أكون خليفة في أرض مالك الملوك سبحانه وتعالى، أترك الأثر، وأبني الأمل، وأعلّم علمًا، وأفرّج كربة، وأربي أبنائي على الخير، وأبرّ بوالديّ في حياتهما وبعد مماتهما، وأكون ذخراً وسنداً لإخواني وأخواتي، وداعماً ومعلّماً ومكرماً لأسرتي، ومتواصلاً مع مجتمعي، وناهضاً بوطني. مولاي سبحانه، حبي الأول، وكما قال صلى الله عليه وسلم: «ثلاثٌ من كنّ فيه وجد حلاوة الإيمان»، ومنها: «أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما».. أثرٌ نرجو أن يكون جزاؤه أن يظلنا المولى تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله، وأن يرزقنا لذة النظر إلى وجهه الكريم، هناك في أجمل لقاء ننتظره.. اللهم بلّغنا يا رب.

وأثري الآخر في حياتي، معلّم الهدى والحق، والقدوة الأولى في حياتي، نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، الذي آمنا به ولم نره، والذي ترك لنا إرثاً قويماً ومنهجاً شاملاً لنواحي الحياة، في الأخلاق والعبادة والإحسان. حبيبي رسول الله، نحن إخوانه الذين لم يروه، ولكننا نقتدي به وبأثره، ونحرص قدر المستطاع على أن نكون إسلاماً يمشي على الأرض، كما كان صلى الله عليه وسلم، وعنواناً للعطاء والأثر الجميل في الحياة، وابتسامة مشرقة تضيء دروب الحيارى، ونشاطاً وهمّة وأخلاقاً في كل معاملاتنا؛ فقد كان عليه الصلاة والسلام خُلُقه القرآن. كل خطوة، وكل أثر، وكل علم نافع، وكل صدقة، وكل سعي في الخير، وكل مشي في حاجة الآخرين، إنما هي صور تعلّمناها من معلّمنا الأول، وأثرها يكبر يومًا بعد يوم، حتى تلك اللحظات الأخيرة من الحياة، عندما نرحل ويستكمل رزقنا. الأثر إنما يبقى في نفوسنا حتى لقياه صلى الله عليه وسلم في الفردوس الأعلى، ويسقينا من يديه الشريفتين شربة هنيئة مريئة لا نظمأ بعدها أبدًا، ونجلس معه نحاكيه ونرافقه في تلك المساحات الخالدة.

أما والداي رحمهما الله تعالى، قرة عيني ومن أجمل المعلّمين في الحياة، فقد علّماني «تحمّل المسؤولية»، وألا أكون عالة على الآخرين، وأن أعمل في أي مجال حتى لا تحيط بي سموم الفراغ القاتلة. والدي أكرمني بصحبته في مسجد المعاودة، الذي كان إمامًا له لأكثر من 30 عاماً، وكان لي سنداً وعوناً على إكمال دراستي. وبخبرته ونضجه وعلاقاته لم يتركني وحيداً، فقد علّمني ألا أتكل على غيري، بل أعتمد على نفسي، وأكون مثالًا حيًّا للعطاء، كما كان هو؛ معلّماً، وعضواً في الكشافة، ومديراً، وحكماً لكرة القدم، وإمامًا للمسجد، وواعظاً فيه. والدي لم يبخل عليّ يوماً، ومع كل دينار أنفقه، أنوي أن يكون له صدقة جارية، وفاءً لعطائه الذي ما زال أثره خالداً في حياتي وأسرتي. فجزاه الله عني خير الجزاء، وأسكنه الفردوس الأعلى.

أما والدتي العطوفة الحنونة السخية الكريمة «أم الخير»، فقد علّمتني معاني العطاء والخير بأسلوبها البسيط. اعتادت أن يكون لجيراننا من غدائنا وفطورنا نصيب، فكنت من يوصل هذه «النقصة»، وأُقابل دائمًا بالترحاب، وبـ«نقصة» أخرى من البيوت. علّمتني أن أعطي بلا مقابل، وأن أكون كريماً مع غيري، وعلّمتني طيبة القلب ودمعة المحبة.

وهي من أسّس مع والدي بنيان العائلة؛ فحرصا على أن يكون اللقاء العائلي فضاءً رحبًا للمحبة والتواصل والتعليم، يجمع كل الأعمار والأجيال. أمي كانت أثراً في كل مشاعري، وفي كل أجزاء نفسي.. فجزاها ربي الفردوس الأعلى، وجمعني بها وبوالدي، نستذكر أجمل أيام الدنيا في العطاء والخير.

وهناك العديد من المعلّمين أصحاب الخير، الذين علّموني العلم النافع في المراحل الدراسية، ومن علّموني كتاب الله الكريم، ومن علّموني خصال الخير والأخلاق، ومن كان لي موجّهاً وناصحاً حتى أصل إلى مراتب الخير. كلهم قدّموا الكثير لحياتي، وكلهم تركوا علماً نافعاً مازال يؤتي ثماره، فجزاهم الله خيراً عن كل علم؛ فأجرهم ممتد مع كل موعظة في مسجدي، ومع كل آية أقرأها في صلاتي، ومع كل مقال أكتبه، ومع كل مشروع إنساني أديره، ومع كل سعي أسعى فيه إلى الخير؛ فلهم فضل بعد فضل الله الكريم.

وكما أن هناك أشخاصاً تركوا في حياتي الأثر، فأنا أيضاً صورة لأثرٍ في حياة آخرين. أفخر بأن أكون امتداداً لكل أثر جميل، لأعكسه في ميادين الخير، وفي كل محطة أسعى لأن أكون فيها صاحب أثر يدعو لي صاحبه بدعوات طيبة تنفعني في الدارين. فديدن أيامنا أن نصلح النية والسريرة، ونبتغي بأعمالنا جميعها وجه الله الكريم.

ومضة أمل

اللهم إنا نسألك حبك، وحب من يحبك، وحب عمل يقرّبنا إلى حبك.