لا تبحث دول الخليج العربي اليوم عن بديل سريع للنفط، بقدر ما تبحث عن موقع جديد في خريطة الطاقة العالمية التي يعاد تشكيلها تحت ضغط خفض الانبعاثات وتسارع الابتكار وتغير أنماط الاستثمار. وفي هذا السياق، جاء الاجتماع الثامن عشر للجنة الطاقة الجديدة والمتجددة بدول مجلس التعاون الخليجي، الذي ترأسته مملكة البحرين في 8 سبتمبر الجاري، ليناقش مستجدات التعاون في مجال الهيدروجين، ومقترح تشكيل فريق عمل متخصص، إلى جانب حلقة نقاشية لخبراء الهيدروجين تستضيفها الكويت في الأول من أكتوبر. والسؤال هنا: هل يستطيع الخليج تحويل الهيدروجين إلى ميزة تنافسية عالمية مستدامة؟
تمتلك المنطقة خبرة طويلة في إنتاج الطاقة وتصديرها، وموانئ وبنى تحتية وصناعات تكرير وبتروكيماويات، وقدرات استثمارية كبيرة، وموقعاً يربطها بأسواق آسيا وأوروبا. كما تمنح وفرة الطاقة الشمسية مسارًا واعدًا للهيدروجين الأخضر، بينما تتيح موارد الغاز والخبرة في احتجاز الكربون مساراً للهيدروجين الأزرق. وتؤكد هذه القاعدة الصناعية أهمية المنطقة؛ فالشرق الأوسط ينتج نحو سدس الهيدروجين العالمي، وله وزن معتبر في إنتاج الأمونيا واليوريا والميثانول.
وتتحول هذه المقومات بالفعل إلى مشروعات واستراتيجيات. ففي الإمارات، تستهدف الاستراتيجية الوطنية للهيدروجين إنتاج 1.4 مليون طن سنوياً من الهيدروجين منخفض الانبعاث بحلول 2031، منها مليون طن من الأخضر و400 ألف طن من الأزرق. وفي السعودية، بلغ مشروع نيوم للهيدروجين الأخضر 90% من أعمال الإنشاء في مارس الماضي، ويعتمد على نحو 4 غيغاواط من الطاقة الشمسية والرياح، ويستهدف إنتاج ما يصل إلى600 طن يومياً من الهيدروجين الخالي من الكربون وتحويله إلى أمونيا خضراء للتصدير.
وللبحرين أيضاً مسار يمكن البناء عليه، وإن كان مختلفًا في حجمه ومرحلته. وفي سياق استراتيجية قطاع الصناعة 2022-2026، أكدت وزارة الصناعة والتجارة توجّه المملكة نحو الصناعات النظيفة، بما فيها الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر والأزرق، فيما أشار تقرير الاستدامة 2023 لبابكو إنرجيز إلى دراسات جدوى لتطوير مصادر طاقة بديلة، من بينها الهيدروجين الأزرق والأخضر، بالتوازي مع مسارات لاحتجاز الكربون والطاقة المتجددة. ولذلك قد تكمن فرصة المملكة في اختيار موقع ذكي داخل سلسلة القيمة الخليجية، مستفيدة من خبرتها الصناعية والبتروكيماوية وموانئها وخدماتها اللوجستية والمالية.
لكن وفرة الموارد لا تعني الفوز تلقائياً. فقد تجاوز الطلب العالمي على الهيدروجين 100 مليون طن في 2025، بينما ظل إنتاج الهيدروجين منخفض الانبعاثات قريباً من مليون طن فقط. وتقول وكالة الطاقة الدولية إن ارتفاع الكلفة، وعدم وضوح الطلب، وتعقيد الأطر التنظيمية، ونقص البنية التحتية لاتزال عوائق رئيسية. كما أن أقل من 8% من الكميات المعلنة للمشروعات الموجهة للتجارة حتى 2030 ترتبط بمشروعات تعمل أو قيد الإنشاء أو لديها استثمارات ملتزمة. ومن هنا، لن تُحسم المنافسة بمن يعلن أكبر مشروع، بل بمن يستطيع إنتاج الهيدروجين ومشتقاته بكلفة تنافسية وبصمة كربونية موثوقة، ثم نقله وتخزينه وتسويقه ضمن معايير وشهادات منشأ يقبلها المشترون. وقد تكون القيمة الأكبر في بناء سلسلة متكاملة تشمل البحث والتطوير، والتقنيات، والخدمات الهندسية، والموانئ، والتخزين، وإعداد الكفاءات.
وهنا تتأكد أهمية التعاون الخليجي من منطلق استراتيجي. فالسوق لاتزال ناشئة، والمنافسة العالمية ستكون بين منظومات متكاملة بقدر ما ستكون بين دول ومشروعات منفردة. والتنسيق الخليجي في المعايير والبحث والتطوير والبنية التحتية والممرات التصديرية وتبادل الخبرات يمكن أن يمنح المنطقة وزنًا تفاوضيًا وتجاريًا أكبر، وهو ما ينسجم مع توجه الاجتماع الخليجي الأخير نحو تعزيز التنسيق وتبادل الخبرات والمعلومات.
الخليج لا يبدأ سباق الهيدروجين من الصفر، لكنه أيضاً لا يبدأ من خط النهاية. امتلاك موارد الطاقة يمنحه الفرصة؛ أما تحويلها إلى ميزة تنافسية مستدامة فسيتحدد بما يبنيه حول الهيدروجين من معرفة وتقنية وبنية تحتية وأسواق، وبقدر ما تستطيع دول الخليج أن تتحرك كمنظومة استراتيجية متكاملة، لا كمجموعة مشروعات متفرقة.