قبل أن ننشغل بحساب كم سفينة إيرانية ضُرِبت في هرمز، وكم سفينة تجارية تعرضت لهجوم إيراني، علينا أن نبتعد قليلاً عن هذه اللقطة، ونحاول أن نرى ما يحدث بعين شمولية وأكثر اتساعاً للمشهد كاملاً.

العنوان الرئيسي الشامل للصورة أو للحدث هو أن نظاماً دولياً جديداً يُبنى ويُعد له الآن، انتهى فيه زمن العولمة وكل ما حمله معه من أفكار فوضوية لما يُسمى بإلغاء الحدود السياسية وعبورها، مثل الجماعات العابرة للحدود والمنظمات العابرة للحدود التي أدت إلى ضعف الدولة المركزية. ما يحدث في منطقتنا هو نهاية هذا كله، والعودة لتعزيز وتقوية وتقدير الدولة الوطنية.

العودة للدولة الوطنية؛ هذا هو العنوان الأساسي الذي يترجم ما يحدث من تفاصيل أصبحت صغيرة أمام هذا الواقع الجديد الذي تحاول إدارة ترامب العمل عليه، ويجد صدى وترحيباً لدى الدول التي عانت من التدخلات الأمريكية في الشؤون الداخلية فيما مضى كدول الخليج العربي.

وفي خطاباته السياسية الأخيرة كوزير للخارجية في إدارة دونالد ترامب الثانية (2025-2026)، لخّص روبيو رؤيته للدولة الوطنية عبر محاور رئيسية تعكس فكر «اليمين الجديد» المحافظ في أمريكا:

العودة إلى مركزية «الدولة الوطنية» والحدود: في مواجهة وهم العولمة؛ حيث يرى روبيو أن نهاية الحرب الباردة خلقت «وهماً» بأن العالم سيتحول بالكامل إلى ديمقراطيات تعتمد السوق الحر، وأن فكرة «عدم أهمية أين تُصنع الأشياء» كانت خطأً استراتيجياً.

الحدود والسيادة المطلقة: يؤكد روبيو علانية أن «الدولة الوطنية لا تزال مهمة، والقومية لا تزال حقيقية، والحدود الوطنية لا تزال قائمة»، وأن الدول ستتصرف دائماً بناءً على مصالحها القومية العليا.

ولو تجاوزنا المصلحة القومية الأمريكية في هذه الرؤية الجديدة وترجمنا تلك الرؤية على تفاصيل ما يجري في منطقتنا، فإن ما يحدث لإيران لا يتعلق ببرنامجها النووي ولا صواريخها ولا مسيراتها ولا حتى بهرمز؛ الموضوع هو إعادة إيران لحدودها السياسية، أي حدود الدولة القومية الفارسية، وانتهاء زمن التمدد والتوسع والأذرع والجماعات العابرة للحدود التي دعمها اليسار الغربي كالجماعات الدينية «الإخوان المسلمين» و«الولي الفقيه» وما خلقته من فوضى عالمية.

إيران نجحت في توظيف كل ما أتاحته العولمة من فرص، فعززت قوة الجماعات العابرة للحدود وخاصة الإسلامية، وتحايلت على العقوبات بأن منحت منافسي الولايات المتحدة الأمريكية احتياجاتهم بعد أن خفضت كلفة صناعاتهم تحت غطاء التحايل على العقوبات، ثم انتهت بأن مارست كل ما من شأنه تهديد الملاحة الدولية والتجارة الحرة، فأصبحت «لا دولة» وسلوكها غير قابل للاحتواء وتعارض كل ما من شأنه تعزيز مفهوم الدولة الوطنية.

حتى اليسار الغربي الذي كان عرّاب العولمة بدأ يرضخ أمام الاكتساح اليميني المتطرف، ويتنازل عن فوضاه التي سمحت بهذا التغول الإيراني، فشدد عقوباته واعتبر الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية بعد أربعة عقود من تأسيسه وبعد أن عاث في المنطقة فساداً.

أما من تبقى لإيران من حلفاء فهم على استعداد لمساعدتها، إنما يريدون الاستفادة من فرصها في الداخل الإيراني فقط. ما عاد ممكناً السماح لتلك الفوضى التي خلقتها أن تستمر وتستمر معها تلك الاستفادة غير المشروعة، لذلك على إيران أن تعود كدولة طبيعية تلتزم بحدودها السياسية وستتمكن من التعايش مع النظام الجديد.

هذا هو جوهر الصراع الذي يبدو أنه أمريكي-إيراني أو إسرائيلي-إيراني، ولكنه في الواقع يدور حول عودة حماية الدولة الوطنية، وإيران تقاوم هذا الواقع الجديد وتصر على الاحتفاظ بمشروعها وأدوات توسعها المرفوض.

* المقال منشور في صحيفة «الشرق الأوسط»